فهرس الكتاب
والاقتداء به صلى الله عليه وسلم والسيُّرُ على دربه سبب للهداية قال الله" ( وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) [ النور:من الآية 54 ] "
وكيف يحب المرء من يجهل أوصافه وأحواله ، وكيف يقتدي المرء بمن لا يعرف شيئا عن سيرته وهديه ، من هنا تأتي أهمية شرح السيرة النبوية لتوضيح صفاته صلى الله عليه وسلم ، ليعرفها من جهل فيحب ويتبع .
2 ـ وتعلُّمُ السيرة النبوية عبادة فقد جاء عن علي بن الحسين ــ رضي الله عنهما ــ أنه قال"كنا نُعلَّم مغازي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن"6 .
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول ا صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها» (7) .
3 ـ وإذا أعملنا قاعدة"الوسائل لها أحكام المقاصد"ـ وهو ممكن هنا ـ وجدنا أن السيرة النبوية إحدى وسائل التعبد ، تأخذ حكم الغاية التي تصل إليها . وبعض الغايات عبادات واجبة ، وبعض الغايات دفاع عن الحبيب صلى الله عليه وسلم .
4 ـ وفي السيرة توضيح لكثير من معاني القرآن الكريم ، كتلك الآيات التي تتكلم عن الغزوات في سورة آل عمران ،والأنفال والتوبة والأحزاب والفتح والحشر ... ، كما أن في دراسة السيرة النبوية بيان لكثير من أسباب النزول . فهناك سور بأكملها تتكلم عن غزوة مثل سورة الأنفال التي تتكلم عن غزوة بدر ، وسورة التوبة التي تتكلم عن غزوة تبوك ، وسورة الحشر التي تتكلم عن جلاء بني النَّضير ، وهناك آيات كثيرة في سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أُحد ، وحتى تفهم هذه الآيات جيدا لا بد من دراسة السيرة النبوية .
5ـ ولما كانت القدوة لابد منها في حياة الناشئة كان لابد من تعلم السيرة النبوية ، لإعطاء الأجيال نماذج طيبة طاهرة ، من الصحابة والتابعين ، وطرد النماذج الجاهلية أو الخيالية التي تعطى للأطفال فيما يعرض على الشاشات المرئية ، أو في القصص المكتوبة ، مما عَمَّت به البلوى في هذه الأيام . ففي السيرة نماذج حية للقادة العظماء وعلى رأسهم النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وفي السيرة نماذج حيّة للزهاد وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم
وفي السيرة نماذج للتجار الناجحين المخلصين الأتقياء . وفي السيرة أفضل النماذج للمربِّين وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي السيرة أسمى نماذج الصبر والثبات والجِد في الحصول على المراد .
ولا بد من عقد المقارنة بين النماذج الخيالية المكذوبة التي لا يستفيد منها القارئ ـ وخاصة الناشئة ـ شيئا ، وبين نماذج البطولة الحيّة الموجودة في السيرة النبوية .
بل لا بد من عقد المقارنة بين عظماء التاريخ الإسلامي وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وباقي الجبابرة الذين استخفوا قومهم فأطاعوهم ، والذين مَلَكُوا على الناس بالسيف ، ولم يتركوا أثرا لهم يُحي ذكرهم بالخير بين الناس كما كان حال من ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6 ـ واليوم دار الزمان دورة أخرى ، وصار الكفر هو القوة العظمى على وجه الأرض ويحاول أن يفرض علينا ما هو مرفوض في ديننا ، وتبعه كثير من قومنا رغبة ورهبة ، ولا بد من التصدي لهذه الحالة والوقوف بوجهها ، لذا كان لا بد من معرفة كيف عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر من قبل . وتُعرض السيرة النبوية كنموذج للإصلاح ورد الناس إلى دين الله .
وأحاول ـ بحول الله وقوته ـ عرض بعض المفاهيم التي لا بد منها لمن يريد دراسة السيرة النبوية أو عرضها على الناس .
ثانيا: السيرة النبوية وصحة المصادر:
يعاني النصارى واليهود من الشَّك الكبير في تراثهم الديني . . . كل تراثهم الديني ؛ بل في أقدس ما لديهم وهو ما يسمونه ( الكتاب المقدس ) 8 ، فهم مختلفون أو قل يجهلون الكثير عن الشخصيات التي كتبت ( العهد القديم ) وكذا من كتبوا الأناجيل ( القانونية منها وغير القانونية ) ، والكلام في التشكيك فيمن كتبوا الأناجيل مشهور ومعلوم ، والمعلومات عن الأصول التي تمت الترجمة منها تكاد تكون معدومة 9، والحديث عن ما يسمونهم بـ ( الآباء الأولون ) حديث مُحتكر بين طائفة معينة ، ومن يدخل منهم الإسلام يتكلم بأنه كله كذب ولولا ذلك لخرج للعوام ، فهم إذا في شك كبير من كتابهم وتراثهم الفكري والتاريخي ، وهو مصداق قول الله تعالى ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) [ الشورى: من الآية 14] . ويسترُ عيبهم أن الدين حكر على الأحبار والرهبان ، وأن العوام ليس لهم من الدين سوى بعض القضايا الذهنية التي يعتقدونها كقضية الفداء والصلب مثلا عند النصارى ، وبعض الشعائر التعبدية التي يلتزم بها القليل . ولا يلام عليها الباقون .
هذا حال أقرب الديانات لنا ــ النصرانية ــ والأمر أسوء في اليهودية والبوذية وغيرهما من الديانات الأخرى .