ولعل من أخطر محاولات التغريب هي محاولة وضع البديل في مواجهة الإصيل، والعمل على تقديم بدائل سريعة ذات مظهر لامع، وتحوطها هالة من الضجيج لكل فكرة أصيلة في محاولة لتحويل الرأي عنها في ظل طوابع من الإغراء والتزييف. وتحت اسم البحث العلمي والعبارات البراقة الخداعة.
وليست هذه الطريقة جديدة على الفكر الإسلامي، ولكنها سنة لكل العصور، ولعل أبرز ملامح تاريخ الفكر الإسلامي هو ذلك الكفاح الدائب دون هيمنة الفكر الوافد أو العقلية الخارجية التي سلطها عليهم اليونان والهنود والمجوس واليهود، ولقد بدت هذه المقاومة في صورة ملحمة رائعة كان أعلام المسلمين ومفكريهم ونوابغهم جيلاً بعد جيل يقاومون دون السماح لشخصية الإسلام الحضارية والفكرية ذات الطابع المتميز تحت اسم التوحيد أن تذوب أو تتلاشى في شخصية حضارية أخرى.
ولقد ظل المسلمون قادرون على ذلك في مجال الفكر في العصر الحديث بل لعلهم أقدر عليه في مجال الحرب والسلاح، وأن هذا الرفض ليتجلى في أروع صورة في صمود الجزائريين ومقاومتهم فناء شخصيتهم العربية الإسلامية.
ولقد ظل أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث يوالون الدق على الطبول في مواجهة أخطر المحاولات الدائبة المستمرة لتحريف الفكر الإسلامي (أصوله وتعالميه وأحكامه) تارة بالنقص منها وأخرى بالزيادة فيها وثالثة بتأويلها على غير وجهها.
ولقد كان من أكبر الأخطار التي واجهتنا دون إرادة حرة، هي محاولتنا فهم كثير من الأمور من خلال مناهج الغرب ومقاييسه، هذه المناهج والمقاييس التي كونها الغرب من خلال ظروفه الاجتماعية وتحدياته التاريخية وتركيبه النفسي والاجتماعي.
إن هناك حقيقة لا سبيل تجاوزها أو إنكارها هو أن في العالمن ثقافتين: إسلامية وغير إسلامية ولا يمكن أن يلتقيا في إطار واحد، يخطئ البعض حين يظن أن"التغريب"هو حمل المسلمين والعرب على قبول ذهنية الغرب، وإنما الحقيقة أن التغريب هو محاولة خلق (دائرة فكر) تهدم إرادة المسلمين والعرب وتنتقص فكرهم وتشيع فيه الشبهات والمثالب، ثم لا تدفعهم إلى أي جانب من جوانب البناء أو النهضة مستمدة من أي فكر آخر.
ومن شأن دائرة هذا الفكر اللقيط، أن تحول بين المسلمين وبين أي حركة أو نهضة، وإنما تمسكهم ليدوروا في هذه الدائرة المغلقة، حتى ينتهوا، وتجعلهم يفكرون من داخل دائرة مادية خالصة، معزولة تماماً عن العقيدة الإيجابية المتكاملة التي علمهم إياها الإسلام وهداهم إليها منهاجاً للحياة قادراً على التقدم من ناحية وعلى مقاومة الغزو من ناحية أخرى.
وهم منذ ركنوا إلى هذه الدائرة الصماء فقدوا كل قدرة على الحركة الأصيلة، ذلك أن تركيب الفكر التغريبي الوافد، إنما استخدم أعظم ما استخدم تضارب المذاهب الغريبة وصراعها وأحيا في نفس الوقت كل ما أنشأته الشعوبية والزندقة والباطنية في الفكر العربي الإسلامي من مفاهيم وشخصيات، لتقيم من هذا كله تلك الدائرة التي تقتل النفس العربية قتلاً وتحول بينها وبين الحياة والحركة والبنالء والتقدم جميعاً في الذل والظلام والدوار حول وهم معلق وشبح كاذب.
ونحن نعرف أن شخصيتنا تستمد قوتها من قيمنا، فإذا انحرفنا عن هذه القيم فقدنا الطريق، وتهنا في البيداء وذلك هو ما قصد إليه التغريب واستطاع أن يحققه إلى حد كبير، ولعل أبرز محاولات التغريب هي الحيلولة دون قيام خط التقاء بينل العناصر والشعوب التي يجمعها فكر واحد في الأصل مصدره القرآن واللغة العربية ومنهج محمد بن عبد الله، وذلك عن طريق استهلاكها في الإقليميات والأمميات والمفاهيم التي تفصل القيم وتمزق العناصر التي وحدها الإسلام في كل متكامل جامع.
فإذا أضفنا إلى هذا محاولة هدم المجتمع وتقويضه بنشر الإباحية عن طريق القصة، وفلسفات الوجودية والهيبية وغيرها عرفنا إلى أي مدى تجرى المحاولة الخطيرة.
بل إن ما ألقي إلى العرب والمسلمين من مفاهيم الحرية والتقدم والديمقراطية والعدل الاجتماعي وغيره، إنما كان في الأصل هو"عطاء"الإسلام للبشرية كلها وللحضارة أساساً، قد أعيد إليها وقد شابه اضطراب كبير وإن غلف بأغلفة براقة لامعة.
ولعل أخطر محاولات التغريب إنما ركزت على تفريغ العقل والقلب العربي الإسلامي من القيم الأساسية المستمدة من التوحيد والأخلاق والإيمان بالله، ودفع هذه القلوب والعقول عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم والجراثيم عن طريق التعليم والصحافة والكتاب والمسرحية والفيلم والأزياء والملابس.
ومن ثم خرجت هذه المؤسسات جميعاً ذلك الجيل الذي حمل دعوة لالهدم وسار بها تحت اسم التقدم والحضارة وعمد إلى متابعة المستشرقين والمبشرين في تحريف التاريخ الإسلامي وتشويه مبادئ الإسلام وثقافته وانتقاص الدور الذي لعبه في تاريخ العالم، مع خلق شعور بالنقص في نفوس المسلمين.
وفي عشرات المجالات والقضايا عمل"التغريب": في مجالات التفرقة بين الإسلام والعروبة، وفي النظرة الجزئية، والفصل بين الدين والمجتمع، واللغة والتاريخ، وعن طريق إحياء الروابط القديمة التي أبادها الإسلام وقضى عليها نهائياً.