فهرس الكتاب
اتصلت بأبيه حينما جاءني خبر وفاته لأعزيه ؛ فإذا به يعزيني ويصبرني؛ فلم أستطع أن أملك عيني ؛ وذكر والده شدة برِّ محمدٍ به وبأمه ؛ من بين إخوته وكلهم ولله الحمد صالحون وهو أصغرهم وأصغرهم ؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وكان مما سمعته من أبيه: ( والله يا ولدي لقد حضر جنازته خلق كثير لا يستطيع أن يعدهم عادٌ ؛لا أعلم من أين أتوا ) ..
كان موت محمد صاعقةً نزلت عل قلبي فاستخرجت منه هذا القصيدة:
دمعٌ ترقرق في الجفنين منتقلُ *** فضَّاحُ حالٍ شهيدٌ خطبُه جللُ
حاولت أكتم دمعي في محاجره *** فأصبح الدمع في الجفنين يشتعلُ
مات الحبيب؛ أحقاً ما سمعتُ به *** أم أن عقليَ من همٍّ ؛ به كللُ
بل مات هذا قضاء الله نحمدُه *** في اللوح أقداره قد ضمَّها الأزلُ
العين تدمع والقلب الجريح له *** أنينُه غير أن الحمدَ متصلُ
وبشِّر الصابرين الغرَّ إذ نطقوا *** بحمد ربهم التوابِ وابتهلوا
إليه سبحانه .. رحماك خالقنا *** بمن فقدنا ؛ إليكم تقطع السبلُ
يا شمعة القلب يانور الصباح لكم *** في خاطري فيضُ حُبٍّ ما به خللُ
يا أبعد الناس عن غيٍ وعن سفهٍ *** وأطيب الناس لم تعبأ بما فعلوا
فارقتنا ودموع العين ساجمة (1) *** وفي قلوب الألى فارقتهم جللُ
أين ابتسامتك الغرَّاء أعهدها *** كأنها الشمس ما أزرت بها ظُلَلُ
أين الترانيم بالقرآن نسمعها *** يُحيِي بها اللهُ مَن عن هديه غفلوا
أنت ابن عشرين عاماً كنت سيدنا *** ونحن بعدك قد أودى بنا الكسلُ
أنت الحبيب وأنت السمع والبصرُ *** يا سيداً عجزت عن وصفه الجُمَلُ
أيا (محمد) كم في القلب من شجنٍ *** وكم أحبك كم أغراني الأملُ
كم كنتُ أحسب أيامي وأقطعُها *** شوقاً لرؤياك حتى جاءك الأجلُ
صدقتَ في عهدك الرحمنَ فُزتَ به *** قضيتَ نحبك لمَّا غرَّد الأملُ
رحلت عن ذا الزمان السوءِ مبتهجاً *** تركتنا في لظى الآلآم نشتعلُ
أتممتَ صومك (2) عن دنيا زهدتَ بها *** وغيركم بالدنايا صار ينشغلُ
ما كنتَ تحملُ لا حقداً ولاحسداً *** للناس بل كنتَ سمحاً حينما جهِلوا
وكنت تحتمل الآلآم محتسباً… *** وكنت تدعوا لمن آذوك إذ فعلوا
وكان همُّك قرآناً ترتِّلُه *** حفظاً وعلماً فطاب العلم والعملُ
عزاؤنا أنَّ قرآناً عملتَ به .. *** لازال يُتلى ؛ وفي محرابكم زجلُ
عزاؤنا أنَّ محراباً وقفتَ به *** لازال يصدح فيه الذكر يعتَمِلُ
عزاؤنا أدمعٌ فاضت لموتكمُ *** من أعين الناس حتى احمرت المُقَلُ
طوباك جناتُ عدنٍ تستقر بها *** -إن شاء ربُّك- لاحُزْنٌ ولا وَجلُ
يُقالُ إقرأ ورتِّل وارقْ مرتفعاً *** في جنة الخلد. .طاب الحِلُ والنُّزُلُ
يا ربَّنا أنت مولانا وخالقنا *** إليك مفزعنا إن ضاقت الحيَلُ
أحسِنْ خواتِمنا يا ربَّنا فَلَنَا *** في عصرنا أنْفُسٌ تذوي بها العِللُ
في عام أحزاننا تترى مصائبنا *** ذابت جوانحنا شوقاً لمن رحلوا..
تخَطَّف الموت في ذا العام كوكبةً *** هم صفوة الناس إن قالوا وإن فعلوا
أَبَعْدَهُمْ نستلذُّ العيشَ في رغَدٍ...*** ونحن أسرى معاصينا ولا وَجَلُ
فاغفرْ لنا يا إلهي سوء ما اقترفت *** قلوبُنا وعليه النفسُ تشتمِلُ
ومن سواك إلهي يستجيب لنا *** رغم الذنوب ؛ ففي ألفاظنا الخجلُ
وأنت أكرمُ يا سؤلي ويا أملي *** من أن تَرُدَّ دعاءً ملؤُه الأملُ
فاللهم ارحمه واغفر له وتب عليه وتجاوز عنه وارفع درجاته وكفر سيئاته ولا تفتنا بعده واجمعنا به في جنات النعيم م مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ورحم الله من قال آمين .
قصيدة: عندما تتفجر الدموع
(1) كثيرة الدمع؛ يهطل بغزارة.
(2) مات صائماً رحمه الله.
الفهرس العام
الباب السابع عشر ... 2
عبدة الشيطان ... 2