فهرس الكتاب

الصفحة 19500 من 27364

اتصلت بأبيه حينما جاءني خبر وفاته لأعزيه ؛ فإذا به يعزيني ويصبرني؛ فلم أستطع أن أملك عيني ؛ وذكر والده شدة برِّ محمدٍ به وبأمه ؛ من بين إخوته وكلهم ولله الحمد صالحون وهو أصغرهم وأصغرهم ؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وكان مما سمعته من أبيه: ( والله يا ولدي لقد حضر جنازته خلق كثير لا يستطيع أن يعدهم عادٌ ؛لا أعلم من أين أتوا ) ..

كان موت محمد صاعقةً نزلت عل قلبي فاستخرجت منه هذا القصيدة:

دمعٌ ترقرق في الجفنين منتقلُ *** فضَّاحُ حالٍ شهيدٌ خطبُه جللُ

حاولت أكتم دمعي في محاجره *** فأصبح الدمع في الجفنين يشتعلُ

مات الحبيب؛ أحقاً ما سمعتُ به *** أم أن عقليَ من همٍّ ؛ به كللُ

بل مات هذا قضاء الله نحمدُه *** في اللوح أقداره قد ضمَّها الأزلُ

العين تدمع والقلب الجريح له *** أنينُه غير أن الحمدَ متصلُ

وبشِّر الصابرين الغرَّ إذ نطقوا *** بحمد ربهم التوابِ وابتهلوا

إليه سبحانه .. رحماك خالقنا *** بمن فقدنا ؛ إليكم تقطع السبلُ

يا شمعة القلب يانور الصباح لكم *** في خاطري فيضُ حُبٍّ ما به خللُ

يا أبعد الناس عن غيٍ وعن سفهٍ *** وأطيب الناس لم تعبأ بما فعلوا

فارقتنا ودموع العين ساجمة (1) *** وفي قلوب الألى فارقتهم جللُ

أين ابتسامتك الغرَّاء أعهدها *** كأنها الشمس ما أزرت بها ظُلَلُ

أين الترانيم بالقرآن نسمعها *** يُحيِي بها اللهُ مَن عن هديه غفلوا

أنت ابن عشرين عاماً كنت سيدنا *** ونحن بعدك قد أودى بنا الكسلُ

أنت الحبيب وأنت السمع والبصرُ *** يا سيداً عجزت عن وصفه الجُمَلُ

أيا (محمد) كم في القلب من شجنٍ *** وكم أحبك كم أغراني الأملُ

كم كنتُ أحسب أيامي وأقطعُها *** شوقاً لرؤياك حتى جاءك الأجلُ

صدقتَ في عهدك الرحمنَ فُزتَ به *** قضيتَ نحبك لمَّا غرَّد الأملُ

رحلت عن ذا الزمان السوءِ مبتهجاً *** تركتنا في لظى الآلآم نشتعلُ

أتممتَ صومك (2) عن دنيا زهدتَ بها *** وغيركم بالدنايا صار ينشغلُ

ما كنتَ تحملُ لا حقداً ولاحسداً *** للناس بل كنتَ سمحاً حينما جهِلوا

وكنت تحتمل الآلآم محتسباً… *** وكنت تدعوا لمن آذوك إذ فعلوا

وكان همُّك قرآناً ترتِّلُه *** حفظاً وعلماً فطاب العلم والعملُ

عزاؤنا أنَّ قرآناً عملتَ به .. *** لازال يُتلى ؛ وفي محرابكم زجلُ

عزاؤنا أنَّ محراباً وقفتَ به *** لازال يصدح فيه الذكر يعتَمِلُ

عزاؤنا أدمعٌ فاضت لموتكمُ *** من أعين الناس حتى احمرت المُقَلُ

طوباك جناتُ عدنٍ تستقر بها *** -إن شاء ربُّك- لاحُزْنٌ ولا وَجلُ

يُقالُ إقرأ ورتِّل وارقْ مرتفعاً *** في جنة الخلد. .طاب الحِلُ والنُّزُلُ

يا ربَّنا أنت مولانا وخالقنا *** إليك مفزعنا إن ضاقت الحيَلُ

أحسِنْ خواتِمنا يا ربَّنا فَلَنَا *** في عصرنا أنْفُسٌ تذوي بها العِللُ

في عام أحزاننا تترى مصائبنا *** ذابت جوانحنا شوقاً لمن رحلوا..

تخَطَّف الموت في ذا العام كوكبةً *** هم صفوة الناس إن قالوا وإن فعلوا

أَبَعْدَهُمْ نستلذُّ العيشَ في رغَدٍ...*** ونحن أسرى معاصينا ولا وَجَلُ

فاغفرْ لنا يا إلهي سوء ما اقترفت *** قلوبُنا وعليه النفسُ تشتمِلُ

ومن سواك إلهي يستجيب لنا *** رغم الذنوب ؛ ففي ألفاظنا الخجلُ

وأنت أكرمُ يا سؤلي ويا أملي *** من أن تَرُدَّ دعاءً ملؤُه الأملُ

فاللهم ارحمه واغفر له وتب عليه وتجاوز عنه وارفع درجاته وكفر سيئاته ولا تفتنا بعده واجمعنا به في جنات النعيم م مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ورحم الله من قال آمين .

قصيدة: عندما تتفجر الدموع

(1) كثيرة الدمع؛ يهطل بغزارة.

(2) مات صائماً رحمه الله.

الفهرس العام

الباب السابع عشر ... 2

عبدة الشيطان ... 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت