فهرس الكتاب
وقد سار الغزو الثقافي متقدماً حملة الغزو العسكري والسياسي ومرافقاً لحملات الغزو التجاري والاقتصادي، عامداً إلى مهاجمة الإسلام واللغة العربية والقرآن والرسولل والتاريخ الإسلامي والقيم الأساسية في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية.
كما حرص الاتعمار من ناحية أخرى أن ينقل إلى العالم الإسلامي والأمة العربية الجوانب المضطربة من حضارته وفكره، وأغرق الفكر العربي الإسلامي بعشرات مكن حضارته وفكره، وأغرق الفكر العربي الإسلامي بعشرات من التحديات من خلال الفلسفات المتضاربة الإلحادية والإباحية وإذاعتها.
واتصل ذلك بالنظريات ذات المظهر العلمي البراق التي أوجدها الاستعمار ليحاول إقناع الشعوب الملونة بأنهم أقل من الشعوب البيضاء قدرة عقلية، وإن الرجل الأبيض هو الإنسان الذي خصته العناية الإلهية بتحضير الشعوب المتخلفة، وهي نظريات تبين من بعد أنها قد سقطت في بلادها، ولم تجد من يقبلها أو يعتنقها ولكنها نقلت إلى بلادنا لإثارة البلبة والاضطراب ضمن مخطط التغريب المتعدد الأضلاع.
والواقع أن هذه الفلسفات والمذاهب الغربية التي قذف بها الفكر الإسلامي لم تكن قائمة في الغرب على هذا النحو من التعدد في وقت واحد، وإنما جرت خلال فترة طويلة تمتد إلى أكثر من أربعمائة عام منذ عصر النهضة إلى اليوم ولكن التغريب أراد أن يدفع بها مرة واحدة إلى الشرق رغبة في إثارة الاضطرابات والشكوك وزلزلة العقائد ومع ذلك فقد استطاع الفكر الإسلامي وهو في مطالع اليقظة أن يواجه هذا الإعصار في قوة وأن يدحضه ويرده وكاد أن يقضي عليه لولا بقاء النفوذ الأجنبي المؤيد لحركة التغريب المسيطر عن طريق أعوانه وقد تمثلت هذه الحملات في تيارات متعددة أهمها:
إشاعة قضية الأجناس السامية والآرية التي تستهدف الانتقاص من شأن العرب.
مهاجمة لالدين بعامة والإسلام بخاصة واتهامه بأنه سبب التخلف.
انتقاد العرب والمصريين واتهامهم بأنهم ظلوا مستبعدين لليونان والرومان.
إنكار فضل العرب على الحضارة الحديثة.
الحملة على العقائد والقيم.
الدعوة إلى التجزئة والإقليمية وإحياء الدعوات القديمة الفينيقية الفرعونية.
الدعوة إلى ما يسمى ثقافة البحر الأبيض.
إذاعة الفرقة والخصومة بين الأديان والأجناس: البربر والعرب، الدروز والموارنة، المسلمون والمسيحيون، السنة والشيعية.
وقد اصطنع التغريب في سبيل تحقيق أهدافه مؤسسات عدة أهمها"التبشير"وهي مؤسسة ضخمة عمل بها عدد كبير من المسلمين في بلاد الشرق، بإنشاء المدارس والمستشفيات والمعاهد التي اجتذبت أبناء البلاد وفق منهج مرسوم لإخراجهم من الإسلام، وكانت مؤسسة الاستشراق هي المصنع الذي يمد حركة التبشير بالمادة الخام التي تذيعها عن طريق الكتب والصحافة ومعاهد التعليم.
وقد عمد التبشير إلى استغلال الطلاب والمرضى، وتحويل عقائدهم والتأثير في مفاهيمهم وتحطيم معنوياتهم وتنشئة أجيال ممسوخة مبلبلة العقائد، مضطربة الثقافة، منكرة لقيمها وتراثها ولغتها وتاريخها ويمكن القول بأن المستشرقين هم طلائع المبشرين فقد غلب على معظمهم الهوى والتعصب، فلم يطبقوا المذهب العلمي الذي نادوا به في أبحاثهم، وكان جلة المستشرقين على اتصال دائم بوزارات المستعمرات.
وقد استهدف الاستشراق خدمة الاستعمار عن طريق العلم، وأسس جميع النظريات الاستعمارية التي قامت على التهوين من شأن الشرق والعرب والإسلام، وكلها نظريات انخدع بها باحثون أو خدعونا بها ورددوها في مؤلفاتهم، ولعل أهم ما ركز عليه الاستشراق والتبشير هو"الإسلام والنبي محمد"، فلقد أضافوا إلى مفاهيم الإسلام وتاريخ الرسول كثيراً من الافتراءات والإدعاءات الباطلة، وكان مرجليوث، وفنسنك، ولويس شيخو، وهنري لامانس من أشد المستشرقين تعصباً ضد الإسلام ورسوله.
وقد كشف الباحثون المنصفون أخطاء المستشرقين وسوء نواياهم، من أمثال: حسين الهراوي، وعمر فروخ، وشكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، ورشيد رضا، وقد استهدف مخطط التبشير أهدافاً أساسية واضحة.
أولاً: تشويه الثقافة الإسلامية والتراث العربي والإسلامي.
ثانياً: إفساد الخصائص المعنوية في البلاد العربية والإسلامية.
ثالثاً: خلق تخاذل روحي وشعوري بالنقص.
رابعاً: توسيع شقة الخلاف بين الطوائف والمذاهب وإثارة النزاع بين الأديان.
خامساً: إخضاع العالم الإسلامي والأمة العربية للاستعمار الغربي.
سادساً: إعداد شخصيات عربية تستسلم ولا تقاوم النفوذ الأجنبي.
وقد استطاع التبشير عن طريق التعليم تزييف التاريخ الوطني الإسلامي والعربي والطعن على العرب والإسلام.
ودفع المبشرون أعوانهم وتلاميذهم الذين خرجتهم معاهد الإرساليات إلى الصدارة في مجال الكتابة والصحافة وإثارة الشكوك والاتهامات وإذاعة الإلحاد والإباحة، ورمى اللغة العربية والإسلام بكل نقيصة.
وكان أبرز ما ركز عليه التبشير هو محاولة إخضاع الإسلام لمذاهب الفكر الغربي، وذلك بانتقاص حقيقة الإسلام التي تقوم على أنه عقيدة ونظام اجتماعي في آن واحد.