فهرس الكتاب

الصفحة 19695 من 27364

قال شيخ الإسلام رحمه الله:[فالدلالة من وجوه: أحدها:قوله: (إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) . فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم كما أن الله سبحانه لما قال: {ولكل وجهة هو موليها} وقال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم وذلك أن اللام تورث الاختصاص.

الثاني: قوله: (وهذا عيدنا) فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه…] الخ .

قلت: وثمة أدلة أخرى أيضاً غير هذه تدل على النهي عن إحداث عيد آخر سوى العيد الذي شرعه الله تعالى لهذه الأمة تركت ذكرها طلباً للاختصار.

وحسبك من ذلك الحديث المشهور: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .

فهو أصل في رد كل المحدثات في الدين ومنها الأعياد الزمانية والمكانية.

وبيان ذلك: أن الأعياد بأنواعها هي من شعائر الدين حتى الأعياد المدنية فيشملها هذا الحديث بخلاف العادات الأخرى المخترعة كالصناعات ونحوها فإنها لا تدخل في النهي بل الأصل فيها الإباحة ، والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم.

وتواترت الأدلة الشرعية أيضاً، على النهي عن مشابهة الكفار في شيء من أمور دينهم ، ومنها أعيادهم.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر منها ما هو في النهي عن مطلق التشبه بهم ومنها ما يختص بأمور معينة ومنها ما ورد في خصوص الأعياد.

[1] فأما القسم الأول، وهو النهي عن مطلق التشبه بهم فمن أدلته قول الله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية/18] فأخبر الحق سبحانه أنه جعل نبيهمحمدا صلى الله عليه وسلم:(على شريعة شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.

وأهواؤهم: هي ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به ويودون أن لو بذلوا عظيماً ليحصل ذلك).

وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران/105] فنهى سبحانه عن مشابهة اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا فصاروا أحزاباً وشيعاً فجنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع ، (وكلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها وهذه مصلحة جليلة) .

والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقد جاءت السنة مقررة لما في القرآن:

فمن ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) .

قال شيخ الإسلام: (وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) .

ومن ذلك أيضاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: (فمن) ؟

ونحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كفارس والروم؟ فقال: (ومن الناس إلا أولئك) .

قال ابن بطال: (أعلم r أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس) .

وقال شيخ الإسلام: (وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات.

فعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله وهو المطلوب .

[2] وأما القسم الثاني، وهو النهي عن مشابهتهم في أمور مخصوصة، فقد تواترت الأدلة على معناه وهو الأمر بمخالفتهم ومن ذلك:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) .

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) .

وحديث شداد بن أوس رضي الله عنه: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) .

[3] وأما القسم الثالث وهو ما ورد في النهي عن التشبه بهم في أعيادهم فسأنقل هنا خلاصة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث عقد فصلاً في كتابه الماتع"اقتضاء الصراط المستقيم"قال فيه: [إذا تقرر هذا الأصل في مشابهتهم فنقول: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين:

الطريق الأول: العام: هو ما تقدم، من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا ولا عادة سلفنا فيكون فيه مفسدة موافقتهم وفي تركه مصلحة مخالفتهم حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمراً اتفاقياً ليس مأخوذاً عنهم لكان المشروع لنا مخالفتهم لما في مخالفتهم من المصلحة كما تقدمت الإشارة إليه فمن وافقهم فوت على نفسه هذه المصلحة وإن لم يكن قد أتى بمفسدة فكيف إذا جمعهما؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت