وحتى لو كان المنتسبون إلى غير الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى يمثلون نسباً كثيرة، فإن العلمانية ليست هي الحل العادل؛ لأن أصحاب هذه الديانات إما أن يكونوا في السياسة علمانيين، وإما أن يكونوا ممن يريد للدولة أن تستمسك بعقائده وقيمه وتدافع عنها. فإذا كان من الفريق الأول يكون المسلمون قد تنازلوا عن دينهم بينما هو لم يتنازل عن شيء؛ لأن العلمانية هي مبدؤه سواء كان هنالك مسلمون أو لم يكن. أذكر أنني قلت ذات مرة لبعض الجنوبيين المثقفين عندنا في السودان: إنكم لا تعترضون على الحكم إذا كان اشتراكياً كما كان الحال في أوائل حكم الرئيس نميري ، ولا تعترضون عليه إذا أقر الرأسمالية أو الليبرالية؛ لأنكم تعتقدون أن الدين لا دخل له بهذه المسائل، فلماذا إذن تعترضون على الحكم الإسلامي؟ إن الإسلام لا يفرض عليكم ديناً بالمعنى الذي حصرتم الدين فيه، أعني العبادات والأحوال الشخصية، فلماذا لا تعاملون جانبه السياسي معاملتكم للاشتراكية والرأسمالية؛ لأنه يعطيكم أكثر مما تعطيكم إياه العلمانية؟
يقول أنصار العلمانية في الغرب وفي البلاد الإسلامية: إن هذا قد يكون صحيحاً؛ لكنكم في الحكم الإسلامي تفرقون بين الناس بسبب دينهم، فتمنعون غير المسلم من أن يكون رأس دولة، وأقول لهم دائماً: ولكن العلمانية هي الأخرى تفعل ما نفعل. إنها تشترط على الإنسان أن يكون علمانياً لكي يكون رأس دولة، تشترط عليه أن يؤدي القسم للولاء لدستور يفصل الدين عن الدولة، أي أنها تشترط على المسلم أن يعلن كفره بجزء من دينه. وإذا فعل هذا عن اعتقاد كان كافراً خارجاً عن الإسلام، وإذن فكما أن الإسلام يشترط في رأس الدولة المسلمة أن يكون دائناً بدين الإسلام؛ فإن العلمانية تشترط في رئيس دولتها أن يكون دائناً بدينها، فما الفرق؟
يقولون: لكن العلمانية ليست ديناً. ونقول هذا في مفهومكم أنتم. أما في لغتنا العربية، وديننا الإسلامي، فإن كل ما يلتزم به الإنسان من عادات وتقاليد، ومن باب أوْلى من قيم وعقائد، هو دينه، سواء كان مبنياً على إيمان بالله أو كفر به. ألم تسمع قول الشاعر العربي عن ناقته:
إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين
تقول إذا شددت لها وضيني
أهذا دينه أبداً وديني؟
أكل الدهر حل وارتحال؟
أما... أما يقيني؟
فإذا كان دوام الحل والارتحال ديناً فما بالك باعتياد معتقدات وقيم وسلوك؟ ألم يقل الله ـ تعالى ـ عن سيدنا يوسف: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله {يوسف: 76} . يعني ما نسميه نحن الآن بقانونه؟ العلمانية ليست إذن حلاً لبلد يكون فيه المسلمون أغلبية، بل ولا حتى أقلية معتبرة؛ إذ إن ما تطلبه العلمانية من المسلمين إنما هو التخلي عن دينهم من أجل دين العلمانيين.
المصدر مجلة البيان