فهرس الكتاب
وفي جميع الأحوال انخرطت تلك الأحزاب في لعبة الطائفية نفسها التي استخدمها الإقطاع السياسي لإحكام سيطرته وتثبيت مواقعه . أما الأحزاب العلمانية فإن كلاً منها قد اتخذ صبغة القطاع الطائفي الكانتون الذي يوجد داخل حدوده .
وحددت الأحزاب والميليشيات مناطق نفوذ لها ، وأخذت تثبت مواقعها داخلها ؛ واعتباراً من عام 1984م أخذت الخطوط الفاصلة بين مناطق النفوذ تتضح ؛ ففي بيروت وضواحيها وفي جزء من جنوب لبنان هناك سيطرة لقوات أمل الشيعية وحلفائها ، وفي ضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع والهرمل هناك سيطرة لقوات حزب الله الشيعية ، وفي بيروت الشرقية وضواحيها وبعض مناطق الجبل هناك سيطرة للقوات اللبنانية المارونية على جزء منها ، وسيطرة فئة من الجيش اللبناني على الجزء الآخر في عام 1990م ، وفي الشوف سيطرة لقوات الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزية وحلفائها ، وفي الشمال سيطرة لقوات المرَدة المارونية المعادية للقوات اللبنانية ، وفي أقصى الجنوب هناك الحزام الأمني الذي صنعته إسرائيل بينها وبين جنوب لبنان ، يسيطر عليه ( جيش لبنان الجنوبي ) المدعوم من قِبَلِ إسرائيل .
فماذا بقي للدولة وسط هذه . البانوراما السلطوية . حتى تسيطر عليه ؟
من جهة أخرى ، شكلت الطائفية أفق الدولة اللبنانية الذي استوحت منه تصوراتها للمجتمع والكون ونمط الوجود ، وللتنظيم الاجتماعي ، والتوزيع البيروقراطي ، كي تجند لا جيشاً عقلانياً عسكرياً واحداً وجيشاً مدنياً منظماً واحداً البيروقراطيين وموظفي الدولة بل جيوشاً طائفية مرتهنة لجماعاتها المتنطعة والمتوجهة عقلياً وعاطفياً نحو الذات الطائفية المنغلقة .
( ثم بدأ طرح إلغاء الطائفية السياسية ؛ لأنها سبب البلاء ، ولأنها تمنع الانصهار الوطني ، وتحقيق المواطنة الحقة . والمطالبون بإلغاء الطائفية السياسية أغلبهم في مواقع طائفية بعضها شديد العصبية ؛ فالأحزاب المطالبة بإلغاء الطائفية أحزاب طائفية بتركيبتها ، وبدهي أن المطلب الصادر من موقع طائفي هو طائفي أياً كان التعبير اللفظي عنه ، ومطلب إلغاء الطائفية يعني تحديداً: استبدال ديمقراطية عددية تعني سيطرة على الحكم والإدارة بحكم العدد أو بحكم ما يظن من غلبة عددية بالديمقراطية الإصلاحية المركبة المعقدة أساساً للعيش المشترك اللبناني . [6]
هذا الواقع المأزوم والمَرَضِي مثَّل مرتعاً خصباً لأحلام كل طائفة في السيطرة وفي لبنان خصوصاً لا تمثل قوة الطائفة إلا بمددها الخارجي وتبعيتها الدينية والسياسية والمالية . وكانت الطائفة الشيعية التي يمثلها ( حزب الله ) سياسياً وعسكرياً موضوع حديثنا من تلك الطوائف التي أرادت أو بالأصح أريد منها أن تحقق الحلم بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجاً ونظاماً ؛ فلبنان أريد به أن يكون . إما دولة نصرانية عربية بميول غربية وسط تجمع مسلم ضخم ، وإما دولة شيعية عربية بميول فارسية وسط تجمع سني ضخم كذلك .
والدولة الأولى: النصرانية لعل لها حديثاً آخر ، أما المراد الآخر فلا بد من الوقوف فيه أولاً على بعض المرتكزات ؛ حتى تتضح الصورة من بداياتها وصولاً إلى منتهاها .
لبنان وإيران قصة العلاقة:
حين استولى الصفويون على حكم إيران ، في مطلع القرن السادس عشر ، وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة ، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني ( التركي السني ) كان التشيع يذوي ويتلاشى ، إنْ في مدارس النجف أو في مدارس خراسان ، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل جنوب لبنان لتدريس الفقه الإمامي ، فكان منهم:
( بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد ، 953-1031هـ ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عهد الشاه عباس الكبير ، والمحقق الكركي علي بن الحسين ابن عبد العالي العاملي ، ت940هـ - 1533م الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب ، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام ، وكان يُرغِّب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام ، ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام ، وكان أن جعل في كل بلدة وقرية إماماً يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين ، وبالغ في ترويج مذهب الإمامية ؛ بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة . [7]
ومنطقة جبل عامل أو عاملة في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر ، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أُبيد الآلاف من السُنّة من العامة والعلماء ؛ ففي تبريز العاصمة وحدها كان السُنّة فيها لا يقلون عن 65% من السكان ، وقد قتل منهم في يوم واحد 40ألف سني ! ! كما أُجبر الألوف على التحول القسري إلى مذهب الإمامية [8] كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية على إسقاط الدولة العثمانية ، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ [9] .