فهرس الكتاب

الصفحة 19819 من 27364

ومن هنا يتبين أن إحياء ذكرى واقعة كربلاء بهذا الشكل الذي نراه ونسمعه في كل عام وبهذه الطريقة المقززة للنفس فهي ليست مجرد إحياء ذكرى وإنما هناك أهداف أبعد مما يتخيله البسطاء من الشيعة وسائر المسلمين الذين غلبت عليهم العاطفة والغفلة وعدم الدراية والمعرفة بالدسائس التي حاكها أعداء الإسلام وما زالوا يحيكونها من خلال هكذا مناسبات.

فلو كان هذا الأمر فيه منفعة للمسلمين لما توانى عنه علماء الأمة ومجاهدوها الذين نراهم اليوم يبذلون أقصى جهدهم للوقوف في وجه المخططات الخبيثة التي تستهدف النيل من المقدسات الإسلامية عاملين كل حسب طريقته التي تتناسب مع الزمان والمكان. بينما نجد المدعين للإسلام يشغلون الناس في إحياء ذكرى حوادث الانشقاق والصراعات الداخلية المؤسفة التي مرت بها أمتنا قبل ألف وأربعمائة عام لزرع الكراهية بين المسلمين وتوسيع شق الخلاف بينهم؛ لتمكين الصليبين والصهاينة من تحقيق أهدافهم.

وهذا منهج خطه الصفويون قبل أكثر من خمسة قرون تقريبًا عندما دخلوا في حربهم مع الدولة العثمانية بالتحالف مع الصليبيين بهدف إضعاف المسلمين وإسقاط دولتهم.

لقد جعل الصفويون التركيز على المسائل الخلافية أحد أهم نصوص المنهاج التربوية لمذهبهم المسمى جزافًا بالمذهب الجعفري؛ حيث عملوا على إظهار أهل السنة بمظهر المعادي لآل البيت وإطلاق تسميات 'النواصب' و'المعادون' عليهم. وقد باتت هذه المسميات يتغذى بها [الشيعي] منذ نعومة أظافره من خلال استماعه للخطب والإرشادات التي تقدم له في المناسبات المتعددة التي ابتدعها الصفويين لنشر ثقافتهم وترسيخها في أذاهن أتباعهم.

وقد قسموا هذه المناسبات إلى شقين: شق يسمى الأفراح، والآخر يسمى الأحزان.

فأما مناسبات الفرح والتي من أبرزها ما يسمى بعيد الغدير , نسبة إلى موقع 'غدير خم' محط رحال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من حجة الوداع, حيث اتخذها الصفويون على أنها المناسبة التي تم فيها تنصيب الإمام علي بن أبي طالب خليفة من قبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

أما المناسبة الأخرى فهي ما يسمى بعيد 'فرحة الزهراء'، وهو يوم استشهاد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد فيروز أبو لؤلوة المجوسي.

هذا إضافة إلى ما يسمى بعيد مولد الإمام المهدي المنتظر، وغير ذلك من المناسبات التي ابتدعت لترسيخ ثقافة الكراهية ضد أهل السنة وخلق الشقاق بين المسلمين في العراق وغير العراق.

أما المناسبات الحزينة فمن أهمها مقتل سيدنا الحسين في وقعة كربلاء، بالإضافة إلى 'وفاة الزهراء السيدة فاطمة' رضوان الله عليهم أجمعين.

وهناك مناسبات عديدة أخرى حيث ـ وكما هو معروف ـ إن هناك اثني عشر إمامًا للشيعة، ولكل منهم مناسبة فرح ومناسبة حزن، يتم الاحتفال بها على مدار السنة.

ولكن على الرغم من اختلاف هذه المناسبات إلا أن الخطاب فيهن واحد، وهو قائم على سب العرب والمسلمين وتكفير ولعن الصحابة بدعوى سكوتهم على مقتل أئمة الشيعة على يد الخلفاء الأمويين والعباسيين. وقد أنشأت جراء هذا الخطاب أجيال شيعية متشنجة ومعادية لأبرز الصحابة والخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين ولكل ما هو سني. قد طال هذا العداء حتى المساجد والجوامع السنية؛ حيث نجد أن طهران العاصمة الإسلامية الوحيدة في العالم التي لا يوجد فيها مسجد واحد لأهل السنة، هذا ناهيك عن تدمير عدد كبير من مساجد أهل السنة في مدن إيرانية كبرى كمدينة 'مشهد' عاصمة إقليم 'خراسان'.

وهذا العداء كما سبق وقلنا منشأه النصوص والمناهج الثقافية التي وضعها الصفويون مستغلين حادثة كربلاء كأحد أهم الحوادث السوداء في تاريخ الأمة لإذكاء روح الفتنة وزرع الأحقاد بين المسلمين.

لقد أفهم الشيعي أن أهل السنة معادون لآل البيت، وأن للحسين ثأرًا عند السنة، والشيعة هم أصحاب الثأر، ولهذا فإننا كثيرًا ما نسمع ونشاهد رفع الشيعة شعار 'يا لثارات الحسين'، وهي كلمة تردد باستمرار على ألسنة خطباء المجالس الحسينية، وتكتب على اليافطات السوداء، ويحملوها الصبية والشبان الشيعة المغفلون وهم يسيرون بها في المواكب ومسيرات اللطم ومهرجانات شق الرؤوس [التطبير] ، خصوصًا في مثل هذه الأيام دون أن يعرفوا أبعاد هذه الشعارات وما هي مقاصد واضعيها.

نقرأ في سيرة الحسين سلام الله عليه أنه كان يبكي يوم كربلاء حزنًا على قاتليه الذين سوف يدخلون النار بسببه، وهذا قمة الخُلُق والإنسانية. إذن فطالما كان الحسين يتعامل هكذا مع خصومه فلماذا يجعل مدعيّ حب الحسين ذكرى مقتله وسيلة لنشر البغضاء والعداوة بين المسلمين المحبين للحسين؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت