النظام لغة: الخيط الذي يُنظم به اللؤلؤ، وكل خيط يُنظم به لؤلؤ أو غيره فهو نظام، ونظام كل أمر ملاكه، والنَّظْم: نظمك الخرز بعضه إلى بعض في نظام واحد، كذلك هو في كل شيء حتى يقال: ليس لأمره نظام؛ أي لا تستقيم طريقته، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته، والنظام: العقد من الجوهر والخرز ونحوهما، والنظام: الهدي والسيرة، وليس لأمرهم نظام؛ أي ليس لهم هدي ولا متعلق ولا استقامة، وما زال على نظام واحد؛ أي عادة (18) .
يتبين بما تقدم أن لفظ «النظام» يُطلق لغة على الأشياء المضموم بعضها إلى بعض، كما يطلق على الشيء الجامع لتلك الأشياء؛ على أن يراعى في ذلك الضم: الترابط الذي ليس فيه تنافر، والاستقامة التي لا يصحبها عوج، والاطراد الذي لا يعتريه خُلْف، وبذلك يمكننا القول بأن النظام: هو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد.
فإذا أردنا تعريف النظام السياسي بالنظر إلى لفظه؛ قلنا: هو مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها بطريقة صالحة. وإذا أردنا تعريفه بالنظر إلى أنه لقب على كيفية حكم الدولة؛ قلنا: هو مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها (19) .
فيدخل في إقامة الدولة الأحكام المتعلقة بنَصْب الخليفة؛ من حيث حكم توليته وشروطه وواجباته وحقوقه وكيفية اختياره، وصفات من يختاره، وكيفية انتقال السلطة وموجبات ذلك، وحدود صلاحياته.
كما يدخل في إدارتها: الأحكام المتعلقة بالسلطة؛ من حيث أنواعها، ومصدرها،والقيود التي ترد عليها، وأحكام الوزارة و الولايات وتقسيم البلدان، وإنشاء المرافق العامة، وأحكام الشورى، وصفات من يتولون المناصب العامة، ويدخل في ذلك الحديث عن وضع أهل الذمة في النظام السياسي، وكذلك وضع المرأة.
كما يدخل في المحافظة عليها وتحقيق غايتها الأحكام المتعلقة بالعمران والتنمية، وحقوق الرعية وواجباتها، كما يدخل في ذلك الأحكام المتعلقة بأمن المجتمع؛ من حيث الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصب القضاة وإقامة الحدود، والرقابة والمتابعة (الحسبة) ، كما يدخل في ذلك أحكام العلاقات الخارجية، وكل ذلك يتضافر معاً ليكون وحدة واحدة هي النظام السياسي الإسلامي.
وهذا التقسيم الذي أوردته إنما هو تقسيم اجتهادي، وإلا فقد يدخل شيء مما ذكرته في موضع ما، تحت موضع آخر، أو يدخل في أكثر من موضع لارتباطه وتشعبه، ويدخل تحت ما تقدم جزئيات وفرعيات كثيرة تمثِّل في مجموعها أحكام النظام السياسي في الإسلام، وهذه الأحكام وما تعلق بها من تنظيمات أو هيئات مبثوثة في الكتب الشرعية، سواء منها ما يقتصر على الأحكام الخاصة بالنظام السياسي والتي عُرفت باسم «الأحكام السلطانية» (20) ، أو ما يتعرض للأحكام الشرعية كلها؛ مثل كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث النبوي الشريف، وهناك طائفة كبيرة من هذه الأحكام في الكتب التي تقدم وصايا خُلقية أو إدارية للوزراء والأمراء، وكذلك كتب الخراج.
المبحث الثاني
في التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي
التشريع في الإسلام ـ تحليلاً وتحريماً، تصحيحاً وإبطالاً، في أفعال الناس وأقوالهم واعتقاداتهم ـ إنما هو لربِّ الناس الذي خلقهم ورزقهم، والذي يبعثهم من بعد موتهم ليحاسبهم عما قدَّموا في حياتهم الدنيا، والناس بمعزل عن التشريع، سواء كانوا جماعة أو هيئة أو حتى أمة ودولة، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً، وأقوال العلماء في ذلك واضحة جداً (21) .
وهناك أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء (22) ، وهذا النوع من الترتيب والتنظيم أو التنظيم الإداري لا تستغني عنه أمة من الأمم، سواء كان ذلك في عصر التقنية المتقدمة، أو في الأعصر التي سلفت.
لكن هذه التنظيمات والترتيبات الإدارية قد لا يظهر الاحتياج إليها دفعة واحدة، بل قد يظهر في زمن دون زمن؛ ارتباطاً بكثير من العوامل التي تؤثر في ذلك إيجاداً وعدماً، ولذلك فإن النظام السياسي الإسلامي لم يعتن بإيجاد تلك التنظيمات قبل الحاجة إليها، في الوقت الذي يعمل على إيجادها كلما حدث ما يستوجب وجودها، وهذه التنظيمات الإدارية أو المرافق يدل عليها الشرع؛ إما بالدلالة المباشرة عليها، وإما بالدلالة على أصل ترجع إليه، وإما بالبراءة الأصلية التي تقتضي أن الأصل في المنافع الإباحة إلا ما منع منه الدليل، فمثلاً قد تكون الدولة صغيرة، كدولة المدينة المنورة في أول أمرها، ثم تتسع الدولة وتكبر بالفتح، فتحتاج حينئذ أن تُقسَّم إلى وحدات إدارية ليسهل ضبطها وإدارتها، ويستتبع هذا التقسيم وجود ولاة وقضاة وأئمة وشرطة لكل قسم من الأقسام، ويحتاج ذلك إلى تنظيم وترتيب لم تكن إليه حاجة من قبل التقسيم.