فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 27364

في يوم السبت 4 فبراير صوت الأعضاء الخمسة وثلاثون لمجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنسبة 27 إلى 3 (وخمسة امتنعوا عن التصويت) لصالح إحالة ملف البرنامج النووي الإيراني على مجلس الأمن الدولي. جاء التصويت بعد هزيمة محاولات اللحظة الأخيرة التي قام بها أعضاء منظمة دول عدم الانحياز لوقف التصويت، نتيجة لعملية مساومة دبرتها الحكومة البريطانية. خلال لحظات أعلنت الحكومة الإيرانية أن جميع المفاوضات الدبلوماسية قد انتهت، وأن إيران ستعاود تشغيل جميع نواحي برنامجها النووي المتعلق بتخصيب اليورانيوم، وهو البرنامج الذي تم تجميده لمدة عامين جرت خلالها المفاوضات، وتمت إعادة العمل به جزئيا في العاشر من يناير هذا العام، وهو الأمر الذي زود المسوغ للمواجهة الحالية.

وقد ساعدت الحكومة الإيرانية في تأجيج نار هذه المواجهة المدبرة من بريطانيا من خلال رفضها للحل الوسط المتمثل بالاقتراح المقدم من قبل الحكومة الروسية حول تخصيب اليورانيوم الإيراني في روسيا لتزويد الوقود للمفاعلات النووية الإيرانية، مما سيعني تقديم الضمانات الكافية على أن إيران لن تكون قادرة على إنتاج المواد المستخدمة في صنع القنابل النووية. بعد أن قام السكرتير العام لمجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال على لاريجاني بزيارة إلى موسكو في نهاية يناير 2006 حيث عبر عن دعمه للاقتراح الروسي، تمت إعادة النظر في هذا الدعم بشكل مفاجئ حالما عاد لاريجاني إلى طهران. والأسوأ من ذلك تدخلت إيران في نزاع بين جورجيا وروسيا حول شحنات النفط والغاز الروسي إلى جورجيا، عن طريق إعلانها عشية اجتماع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن في لندن، بأنها ستضمن تزويد جورجيا باحتياجاتها من الطاقة. قرأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التحرك الإيراني باعتباره صفعة في وجه موسكو وكإشارة على أن إيران ليست راغبة في التوصل إلى صفقة بخصوص بروتوكول تخصيب اليورانيوم.

هذه التحركات التي قامت بها القيادة الإيرانية المتمثلة بخامنئي - أحمدي نجاد لم تنفع سوى في إثبات أنهما ليسا سوى قطعتي شطرنج محدودتي الذكاء في اللعبة البريطانية الكبرى مثلهما مثل زمرة تشيني في واشنطن التي يحركها جورج شولتز.

الساعة الآن تدق بانتظار يوم 6 مارس حينما تنعقد جلسة للوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث سيقدم الدكتور محمد البرادعي تقريره حول البرنامج النووي الإيراني. لكن التصويت في الرابع من فبراير ضمن أنه بغض النظر عما سيتضمنه تقرير البرادعي فإن إيران ستحال إلى مجلس الأمن بما سيعنيه ذلك من فرض عقوبات وحتى ضربات عسكرية.

حتى يفهم المرء الأحداث الحالية بشكل كامل ويدرك أبعاد الدسائس الفينيسية المدبرة من لندن بواسطة حكومة بلير، لا بد من وجود فهم للتاريخ. في الماضي كان"المكتب العربي"السيئ الصيت في وزارة الخارجية البريطانية يحرك خيوط حكومات المشايخ القبلية والراديكاليين الإسلاميين عن طريق"المستشاربن"والمندوبين البريطانيين الموجودين في تلك البلدان. أما"الأزمة"المدبرة اليوم فإنها تدار من خلال التنميط النفسي العميق (psychological p r ofiling) للاعبين والمؤسسات الأساسية لطرفي اللعبة المشتركين في المواجهة القادمة.

وفقا لتقارير إعلامية عديدة، يبدو أن المواجهة حول برنامج إيران النووي قد أدخلت إلى نفق اللاعودة في 31 يناير أثناء مأدبة عشاء وزارية أقيمت في منزل وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في لندن. طرح جاك سترو على ضيوفه وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين، وهم بالإضافة إلى سترو يمثلون الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، فكرة أن يحال الملف الإيراني حالا إلى مجلس الأمن لفعل شيء من أجل"دعم عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

لا تتوفر أية تفاصيل دقيقة لما دار في ذلك العشاء، لكن من الواضح أن سترو وضع قضية العقوبات على الطاولة، ثم توسط بين النقيضين"المتطرفين"المتمثلين بواشنطن على جهة وروسيا والصين على الجهة الثانية. وورد ضمن ما رشح عن العشاء في وسائل الإعلام أن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أصرت على إحالة الأمر إلى مجلس الأمن فورا وفرض عقوبات على إيران. أما روسيا والصين فقد أصرتا على منح وكالة الطاقة الذرية فرصتها حتى شهر مارس، بينما تستمر المفاوضات بين روسيا وإيران بدعم من بكين لتفادي المواجهة في مجلس الأمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت