وأستطيع القول: إن هذا هو ما حاول القمني طرحه ليس كغرض وإنما كحقيقة موثقة. فالثابت في دراسات القمني أنه كما اعتمد الجد (عبد المطلب) على التجربة الإسرائيلية (العرقية - الدينية - السياسية) في تأسيسه للدين وللدولة وفي ترويجه لنبوة حفيده. فالحفيد (محمد) في تنفيذه لـ"خطة"جده تخفف من العبء الأخلاقي. فأولا: ولتحقيق الأمان المالي تزوج"الأرملة الثرية"خديجة بنت خويلد بعد خداع والدها وتغييبه عن الوعي (بالخمر) لانتزاع موافقته التي تنكر لها بمجرد استيقاظه. ووصل الأمر بالأب إلى حد التظاهر ضد هذا الزواج في شوارع مكة. ولتأكيد هذا الخداع أشار القمني وبكل ثقة إلى نقله لهذه المعلومة عن ابن كثير.
وبالرجوع إلى مرجع القمني وجدناها بنصها في كتاب"البداية والنهاية"جـ2 - ص 229). ولكن وجدنا أيضا (وأخفاه د. القمني بقصد) أنها رواية ضمن روايات"جمعها"ابن كثير ليرجح عليها رواية أخيرة هذا نصها"قال المؤملي: المجتمع عليه أن عم خديجة عمرو بن أسد (وليس والدها) هو الذي زوجها محمدا. وهذا -في رأي ابن كثير- هو الذي رجحه السهيلي وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت: وكان خويلد مات قبل (حرب) الفجار، أي قبل زواج محمد من خديجة بخمس سنوات."
وثانيا: والمهم عند القمني- أنه بعد تحقيق الأمان المالي بدأ الحفيد (محمد) "يتابع خطوات جده"لتحقيق النبوة بالوحي. وهي خطوات قادته إلى سرقة أشعار أمية بن أبي الصلت. وادعاء أنها وحي الله إليه. وبقصد وليوهم د. القمني القارئ بأن ما قاله عن المصدر الشعري (الجاهلي) للقرآن ليس رأيا تفرد به، فقد أكد أن ما قاله كان نقلا عن عالم مشهود له بالموضوعية والدقة هو د. جواد علي. وبالرجوع إلى موسوعة د. جواد"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (جـ6 من ص 490 حتى ص 498) اكتشفنا أن د. القمني قام بتحريف أقوال د. جواد ليجبره على أن يقول بما ختم به القمني دراساته.
"لعبت هاشم بالملك فلا"
ملك جاء ولا وحي نزل""
وهذه جزئية تناولتها بإسهاب وتفصيل في كتابين: الأول بعنوان"مركسة الإسلام"والثاني بعنوان"مركسة التاريخ النبوي" (صدر في سلسلة"التنوير الإسلامي") .
وما أوردته فيها من أدلة موثقة على تعمد القمني الكذب ليتمكن من إرجاع مثلث (الإسلام - الرسول - الرسالة) إلى منابع جاهلية ويهودية. يغنيني -الآن- عن الإطالة ويغريني بالتوسع في دراسة موقف د. القمني من القرآن (مصدره -جمعه وتدوينه- وعملية التعامل مع نصوصه) . وهذا ما أحاوله الآن.
اقرأ أيضًا:
الفلسفة الغربية.. من معاداة الإيمان والحق إلى نسيانهما
هل الإسلام أيديولوجيا؟
تغيير المناهج الدينية.. لمصلحة من؟ ( ملف خاص)
تنقيح القرآن: لعبة التأويل والنص القرآني
** كاتب وباحث
* اعتمدت هذه القراءة على نقد ما طرحه سيد القمني في مؤلفاته: حروب دولة الرسول، الحزب الهاشمي، الأسطورة والتراث، السؤال الآخر، رب الزمان.