ولا شك في أن وعد الله بالنصر واقع قاطع جازم: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) . وكلمة الله قائمة سابقة (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ) . وهذه حقيقة ثابتة، فلله الحمد.
خامساً: صفاء مصدر التلقي لدى المسلم:
إن على المسلم أن يتلقى من الدستور الذي ارتضاه الله له، وهو أكمل دستور وأصفى منبع وأعذب منهل قال تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .
وهذا هو الثبات الحقيقي وهو الانتصار الذي هو مطلب كل إنسان، فحقيقة الانتصار أن تموت وأنت على مبادئك دون مساومة، ودون تنازل أو تراجع عن الحق.
ثبت عند البخاري من حديث عبدِ الله بن سَلامٍ قال:"رأيتُ كأني في روضةٍ، ووسَط الروضةِ عمودٌ، في أعلى العمود عروةٌ، فقيل لي: ارقهْ، قلت لا أستطيع، فأَتاني وصيفٌ فرفعَ ثيابي فرقيتُ، فاستمسكتُ بالعروة، فانتبهتُ وأنا مستمسكٌ بها. فقَصَصْتها على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمودُ عمودُ الإسلام، وتلك العروةُ العروةُ الوُثْقى لا تزال مستمسكاً بالإسلام حتى تموت".
اللهم ثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
لقد حرصت الشريعة كل الحرص أن تُبعد أبناءها عمّا يزعزع هذا المبدأ، ويهز تلك الحقيقة، ولم يزل رسول ا صلى الله عليه وسلم يثبت في أصحابه هذا الأمر حتى بعد إيمانهم بسنوات، تأكيداً من صلى الله عليه وسلم على ضرورة استصحابه، بل كان يأطرهم عليه، ويحذرهم من مصادر التلقي الأخرى.
روى الإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أتى رسول ا صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل عمر يقرأ، ووجه رسول ا صلى الله عليه وسلم - يتمعّر ويتغيّر، فقال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: ثكلتك الثواكل يا ابن الخطاب! ألا ترى ما لوجه رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟!.".
وفي رواية:"أن عبد الله بن زيد قال: أمسخ الله عقلك! ألا ترى ما بوجه رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟!، فنظر عمر إلى وجه رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وب صلى الله عليه وسلم نبياً، فقال صلى الله عليه وسلم أمُتَهَوِّكون فيها يا بن الخطاب؟! ألَمْ آتكم بها بيضاء نقية؟! والذي نفسي بيده! لو بدا لكم موسى فتبعتموه وتركتموني لضللتم سواء السبيل، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني".
سادسا: الالتفاف حول العلماء الربانيين:
لأنهم أفقه الأمة، وأبرّهم قلوباً وأعمقهم علماً وأصلحهم تصوراً، فلا نجاة للأمة إلا بهم إذا أنهم ورثة الأنبياء، والعلماء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنّما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
إنّ العالم الرباني هو خير ما يُرجع إليه عند تلاطم أمواج الفتن، والتباس الحق بالباطل لما يحمله من كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم .
إن العلماء يُبصرون مالا يُبصره طلاب العلم وعامة الناس، بل أنهم يُبصرون ما يخفى على كثيرٍ من كبار طلاب العلم.
وللعلماء مواقف في الشدائد وقف التاريخ متعجباً لها وخلّدها في جبين صفحاته، علماء عاملون دعاة مخلصون، ربانيون راسخون لقد كان علماء الإسلام في المحن من أشد الناس ثباتاً على الدين وأقوى تمسكاً بالسنة، فالمواقف ليست إلا جرعاً تزيد في صلابتهم وقوَّتهم.
سأل الشافعيَّ رجلٌ عن مسألة، فأفتاه بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟! فارتَعَدَ الإمام الشافعي، واصفر لونه، وقال:"أرأيت في وسطي زناراً؟! أرأيتني خرجت من كنيسة؟! ويحك! أيُّ أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن رويت عن رسول ا صلى الله عليه وسلم شيئاً لم أقل به؟! نعم! أقول به وعلى الرأس والعينين، متى رويت عن رسول ا صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم آخذ به، فأشهدكم أيها الناس- أن عقلي قد ذهب."
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) .
قال بعض المفسرين:"أولو الأمر هم العلماء والامراء".
وفي تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) . قال السعدي رحمه الله:"أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة". أ.هـ