فهرس الكتاب
( الانعزال والبعد عن المجتمع تجنباً لأذى وشر الآخر، وهذا ما اتبعه الغرب في نزعته الفردية, فمات المجتمع بذلك وصارت الحياة مُوْحِشة كئيبة لدى الأفراد.
( تحصيل أكبر قدر ممكن من اللذة دون قيود، وهذا المحور الأساسي الذي انطلق منه فرويد لإشاعة الفساد في المجتمع الغربي ويأتي ذلك توافقاً مع البروتوكول الصهيوني:"يجب أن نخلق جيلاً لا يخجل من كشف عورته". وهذا ما يحصل الآن للأسف، حتى في مجتمعاتنا الإسلامية. قال فرويد في بادئ الأمر: إن تحصيل اللذة دون قيود يولِّد شعوراً بالذنب، وتتخلص عقدة الذنب عنده في: الخوف من تأنيب الضمير، والمجتمع، والعقوبة المتوجبة عليه. فلتحقيق اللذة دون ذنب، يتوجب تكسير قيود الأخلاق والمبادئ في المجتمعات وذلك يصعب في مصلحة البشر -كما يدافع فرويد عن دعوته- مُسَهِّلاً لهم سُبُلَ اللذة، وبذلك تتحقق السعادة والصحة النفسية، كما يعتبر ذلك تجنباً لكبت الرغبات في اللاشعور إلى درجة تراكمها وتحولها إلى عوارض وعقد نفسية.
أخذ الغرب بنصيحة فرويد، وها هو الآن يحصد دماراً اجتماعياً ونفسياً؛ فزيادة في نسبة الانتحار (حالة انتحار كل 40 ثانية في الولايات المتحدة) ، وانتشار لمرض نقص المناعة AIDS، ومشاكل إدمان المخدرات (حيث إن المخدرات تباع في محلات مرخّصة لها في هولندا مثلاً) ، وحالات الاغتصاب (1900 جريمة اغتصاب يومياً في الولايات المتحدة) ، وارتفاع نسبة الطلاق (50% في الولايات المتحدة) وغيرها من الأمراض والجرائم.
ونأسف لأنه ما زال في عالمنا الإسلامي من يروِّج لفكرة:"التفلّت سر السعادة"! كما نأسف للتقليد الأعمى لنمط الحياة الغربية؛ إذ أن عدوى المشاكل التي يعاني منها الغرب انتقلت إلينا وهذا يذكِّرنا بقوله تعالى: ?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? [الروم:41] .
فرويد والدين:
شنَّ فرويد حرباً شعواء على الدين في العديد من كتبه، وقد خصص لهذا الموضوع كتاباً أصدره عام 1927 وهو"مُستَقْبَلُ وَهم"،"The Futu r e of an Illusion". والوهم بالنسبة لفرويد هو الدين، والتدين ليس إلا مرضاً نفسياً (عُصاب Neu r osis) . وقد روَّج الإعلام لهذه الفكرة. وكانت هذه النظرية الفرويدية دعماً كبيراً للمخططات الصهيونية؛ إذ أن إبعاد الأغيار (Goyim) عن أديانهم يولِّد تفككاً في بنيتهم الاجتماعية والخُلُقية, ويسهل بذلك السيطرة عليهم. وكان هناك توجه نحو استبدال علم النفس بالدين؛ إذ أصبحت"الكَنَبَة"التي يستلقي عليها المريض النفسي في العيادة النفسية معبِّراً عن مكبوتاته بديلاً عن"غرفة الاعتراف"في الكنيسة التي باتت شبه مهجورة في الغرب. وأصبح المحللون النفسيون بدلاء للكهنة والقساوسة والرهبان. إلا أن هذا الاستبدال لسوء حظ فرويد وإخوانه الصهاينة لا ينطبق على العالم الإسلامي، على رغم محاولات من يسمُّون أنفسَهم بالعلمانيين والـ"متحررين"في مجتمعاتنا لإسقاط وتنزيل هذا الاستبدال الذي حصل في الغرب على مجتمعاتنا الإسلامية، وذلك لعوامل عدة أبرزها: 1.وضوح عقيدة الإسلام، 2.وعدم وجود طبقة كهنوتية مُحْتَكِرة للدِّين، 3.والرابطة القوية والمباشرة التي يتمتع بها المسلم بربه تبارك وتعالى, وذلك في صلاته وأذكاره، وأعماله اليومية.
كما أثبتت الأبحاث العلمية أهمية الدين فيما يتعلق بالصحة النفسية؛ إذ أن أقل الناس تعرضاً للاضطرابات النفسية هم أكثرهم تديناً، كما تؤكد أبحاث معاصرة عديدة. والله تعالى يؤكد لنا ذلك وهو أصدق قِيْلاً: ?فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ? [البقرة: 38] ?فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? [طه:123-124] .
ويقول كارل غوستاف يونغ الذي اعتزل فرويد عام 1914 نظراً لرفضه تفاسير هذا الأخير المنحرفة التي تعلل خصائص حياة الإنسان كافة جنسياً:"لا أكاد أجد مريضاً واحداً يعاني من مشاكل نفسية إلا وكان بعيداً عن العقيدة الدينية".
وقد هجر ألفرد أدلر (عالم نفس وطبيب نمساوي) فرويد أيضاً, وكان ذلك عام 1911 لنفس الأسباب التي هجر يونغ فرويد من أجلها, وتبعه عدد من تلامذة فرويد في فترة وجيزة.
ويبدو من ذلك أن شخصية فرويد لم تكن مريحة, فقد كان سُلطوياً متعجرفاً كما يصفه عدد من تلامذته ومعاصريه.
عُرِفَ فرويد بإدمانه للسيجار, ومن العجيب أنه لم يتخلَّص من إدمانه هذا إلى أن أُصيب بسرطان الحَلْق (Palate Cance r ) عام 1923, وأجرى عدة عمليات لاستئصاله, إلا أن الألم وعدم الراحة لازماه إلى أن طلب من الطبيب إعطاءه جرعة مميتة من المورفين عام 1939 للتخلص من أوجاعه ومن حياته المشؤومة منتحراً, وقد أراح العالم بذلك من نظريات منحرفة, ودعوات شاذة باطلة لا يقبلها سليم القلب والعقل.