وأخذ هذا الاتجاه المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية لتحقيق غايات الأفراد والجماعات، يسودُ سلوك الناس في الشرق والغرب، ويغزو الأجيال في كل الأمم والشعوب، حتى غدا شمول الانحراف في الأخلاق نذير دمار عام شامل لكل الشعوب التي أخذت تنعدم فيها فضائل الأخلاق الفردية والجماعية .
وقد مال الفيلسوف الإنجليزي الملحد «برتراند رسل » إلى تأييد أفكار «مكيافيلي » فقال:
« وفلسفته السياسية علمية تجريبية، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة، ومعنية بتقديم الوسائل على الغايات المحدودة، بغض النظر عن التساؤل عن ضرورة النظر في كون الغايات حسنة أو سيئة، وعندما يسمح لنفسه أحيانًا بأن يشير إلى الغايات التي يرومها، فإنها تكون بحيث تستطيع جميعنا أن نطريها، وكثير من القدح المألوف اللاحق باسمه يرجع إلى استنكار المنافقين الذين يكرهون الإقرار بفعل الشر » ( [4] ) .
كشف الزيف:
الكاشف الأول: يرجع الخطأ في الفكرة الباطلة التي انتهى إليها «مكيافيلي » في السياسة، إلى اعتبار النسبة الغالبة من السلوك الإنساني هي المقياس الذي يبرر به السلوك، وإلى إهمال جانب الحق والعدل والخير، وإغضاء النظر عن الشر الذي يشتمل عليه السلوك، وإلى اعتبار سلوك مع الناس ذوي المشاعر والآلام والحقوق المساوية لحقوق صاحب السلوك، كسلوكه مع الأشياء غير ذات الحياة ( [5] ) .
مع أنّ الواجب يقضي بأن تراعى حقوق الناس ومشاعرهم الإنسانية، ومنها آلامهم.
إنه إذا كانت الوسيلة المفضلة لخرق جبل في أماكن خالية من السكان هي أن نفجر في مكان الخرق المطلوب متفجرات قوية، لأن ذلك أسرع وأسهل، وأقل تكلفة، فهل يصح قياسًا عليه أن يكون مثل هذا التفجير هو الوسيلة المفضلة لفتح طريق داخل مدينة مليئة بالعمارات السكنية، وآهلة بالسكان، دون مراعاة للواجب الذي تفرضه حقوق الناس، ودون اكتراث بالشر الذي ينجم عن هذا العمل، ودون اعتبار لآلام الناس الذين يتعرضون لشرور هذا التفجير ؟
وهل يصح أن يعتبر ذلك أمرًا علميًا وتجريبيًا محققًا للمطلوب بأسرع وقت، وأسهل عمل، وأقل تكلفة، كما زعم «برتراند رسل » إذْ أيد آراء «مكيافيلي » بأنها عملية وتجريبية، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة .
إن أسس سلوك الإنسان مع الناس ومع الأحياء، غير أسس سلوك الإنسان مع الأشياء غير الحية، التي ليس لها أفكار ولا مشاعر وآلام ولذات ومطالب حياة .
والمنهج العلمي الذي يطبق على الأشياء غير الحية، لا يصح تطبيقه من كل الوجوه على الأحياء، وعلى الناس بشكل خاص، لأن الأحياء بوجه عام لها حقوق تجب مراعاتها، ولأن الناس بوجه خاص لهم حقوق زائدة على حقوق الأحياء الأخرى، فيجب وضع هذه الحقوق في الاعتبار لدى اتخاذ مناهج علمية تطبق على الأحياء عمومًا، وعلى الناس خصوصًا.
الكاشف الثاني: إن اعتبار تفوق المستهينين بفضائل الأخلاق، والمرتكبين لرذائلها، في الوصول إلى الحكم وفي تثبيته، على المتلزمين بفضائل الأخلاق المجتنبين لرذائلها، هو المبرر العلمي لاتخاذ وسائل غير أخلاقية من أجل الوصول إلى الحكم وتثبيته، مطابق تمامًا لاعتبار وسائل الغش، والخديعة، واللصوصية، وأكل أموال الناس بالباطل، هي الوسائل المفضلة للوصول إلى الثراء الفاحش، والاستمتاع بلذات الحياة، وتدعيم الرأسمالية المفرطة .
فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء «ميكافيلي » من الشيوعيين والاشتراكيين؟
ومطابق تمامًا لاعتبار وسائل القتل الجماعي، وسلب أموال الأغنياء، وإقامة الثورات المدمرة، واستعباد الشعوب، من أجل وصول الأحزاب الشيوعية والاشتراكية إلى السلطة، واستئثارها بكل شيء، وتسلطها على كل شيء، بما في ذلك الحريات الإنسانية، والحقوق الإنسانية الأخرى .
فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء «ميكافيلي » من الرأسماليين والديمقراطيين؟
إذا كان الأول غير مقبول أخلاقيًا لدى الشيوعيين والاشتراكيين، وكان الثاني غير مقبول أخلاقيًا لدى الرأسماليين والديمقراطيين، مع أن الأول والثاني كليهما يمكن تبريرهما بأن الغاية تبرر الوسيلة، وفق مذهب «ميكافيلي » المتبع لدى المذهبين المتناقضين في العالم: «الرأسمالية وديمقراطياتها - والشيوعية وديكتاتوريتها » .
فإن الحكم المنطقي يقضي بداهة بأن كلا من الرأسماليين المكيافيليين، والشيوعيين الميكافيليين، متناقضون مع أنفسهم .
وذلك لأن الرذائل الخلقية التي تقتضيها المكيافيلية مقبولة عند كل من الفريقين ومرفوضة معًا .
إنها مقبولة إذا كانوا يمارسونها هم ضد غيرهم، ومرفوضة إذا كان غيرهم يمارسها ضدهم. وهذا تناقض منطقي بدهي، لا يلتزم به من يحاكم الأمور بعقله، ولكن يكابر فيه من يحاكم الأمور بأهوائه وشهواته ومصالحه الخاصة، كلما كان له هوى أو شهوة أو مصلحة، لا تقام عليها حجج علمية ضد الآخرين الذين لهم أيضًا أهواء أو شهوات أو مصالح خاصة تقف في الطرف المقابل .
ويكفي هذا التناقض مع الذات لإسقاط «المكيافيلية » . إذ التناقض في أي مذهب، أو أية فكرة، هو من أقوى البراهين لإبطال المذهب أو الفكرة ونقضهما .