فهرس الكتاب
بعد أن كان خليل عبد الكريم يقول في كتابه السابق إن الإسلام ليس عبادة فحسب ، بل يتضمن أيضاً البيعة والشورى والعدل الاجتماعى والحدود وتشريعات الأحوال الشخصية ، فإننا نفاجأ به في كتابه"الأسس الفكرية لليسار الإسلامى"ينفى ـ بجرة قلم ـ الإسلام من ميادين الحياة ؛ إذ يؤكد أنه ليس شيئاً آخر غير العبادات والأخلاق ، مضيفاً أن ميدانه الأصيل هو"المساجد والجوامع والتكايا والربط والخانقاهات والزوايا والمصليات والحسينيات والخلاوى وحضرات الصوفية وحلقات الذكر ومجالس دلائل الخيرات" [ص10]
( 4 ) .. معنى دعوى تاريخية النصوص عند الملاحدة
فى كتابه الأسس الفكرية لليسار الإسلامى [ص11] ، يردد عبد الكريم نغمة بعينها ، هى أنه يؤمن بتاريخية النصوص ، وربطها بأسباب ورودها والزمن والمجتمع والبيئة التى انبعثت منها ، وكذلك الظروف الجغرافية ودرجة التحضر التى كان عليها المسلمون في عصر النبى ومستواهم الثقافى ، وبخاصة أن النصوص ذاتها قد ذكرت صراحة ( كما يقول ) أنها موجهة إلى أمة أمية .
الطريف أن عبد الكريم يصف في نفس الكتاب [ص84] النصوص الدينية بـ"النصوص اللاتاريخية".. وسبحان مثبت العقل والدين !
وهذه الدعوى هى بعينها دعوى نصر أبو زيد وغيره من الملاحدة العلمانيين ، يبنون عليها علالى وقصوراً ، يريدون مهاجمة الإسلام منها .. والله متم نوره ولو كره الكافرون !
وكلام عبد الكريم عن البيئة التى انبعثت منها هذه النصوص معناه ، أن هذه النصوص لم تنزل من السماء ، بل نبتت من الأرض ! .. ولا شك أن كلام الكاتب عن انسجام النصوص مع المستوى الثقافى والحضارى للمسلمين في عصر النبى ، وبخاصة حين يشير إلى أنهم أمة أمية ، يعزز هذا الذى ذكرنا .
كما أن فيه احتقاراً لهذا الجيل من المسلمين ، جيل الرسول والصحابة ، وللنصوص التى كانت تلائمهم ولكنها لا تصلح لنا ولا تلبى حاجات حياتنا ، ولا تنسجم مع أوضاعنا وظروفنا ؛ لأننا نفوق الرسول وصحابته حضارة وثقافة وبيئة .
يتسق مع هذا أنه في كتابه"الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"، يزعم أن الشريعة الإسلامية ليست شيئاً آخر تقريباً غير ما كان يعرفه العرب في الجاهلية مع شىء من التحوير والتعديل في بعض الأحيان ، ودعواه ليست قاصرة على المعاملات والعقوبات ، بل تشمل أيضاً العبادات ، وهو ما يعنى أن الإسلام كله ، حتى الجانب العبادى منه ، ليس له من مصدر إلا الأرض ودنيا الناس ، ولا علاقة له بالسماء ؛ لأنه ـ ببساطة ـ لا يوجد شىء في السماء !
( 5 ) .. التخبط والتناقض: أهم أسس فكر خليل عبد الكريم
بعد هذه الدعوى القبيحة"تاريخية النصوص"، وفى نفس الكتاب [ص18] ، يقول إن"النصوص الأصلية التى هى عماد الدين وسنامه: هى القرآن والسنة ، وما عداها فهو منتج بشرى معرض للخطأ والصواب ... فما وافقنا منها قبلناه ، وما لم نبذناه ، ولا تثريب علنا في ذلك . نحن نرى أن شيخ الإسلام وحجة الإسلام ... إلخ ، كل هؤلاء لا عصمة لقولهم لدينا ـ نحن أهل السنة والجماعة [!] ـ لأن العصمة للرسول وحده ..."
لكن هل ترك الكاتب في القرآن والسنة شيئاً لم يقل إنه لم يعد صالحاً لنا لأننا ناس متحضرون ولسنا متخلفين كالعرب الذين كانوا يحكمون بمقتضاه ؟ ..
أرأى القارئ إلى هذا التخبط ؟
إن ذلك الاضطراب بين الفكرة ونقيضها ، وفى كتاب واحد ، وفى هذه الصفحات القليلة منه ، ليدل على أن الأمر لا يعدو أن يكون نوبات لا ضابط لها ولا رابط !
ولا تمر إلا صفحات قليلة أخرى حتى نشاهد هذه النوبة في أسوأ حالاتها ، ذلك أن الكاتب يدعو بكل قواه إلى اصطناع"منهج الشك وخلع أى هيمنة على العقل الإنسانى مهما كانت ، سواء من النصوص أو السنة ... ، وخاصة أن العقل الإسلامى منذ ما يقرب أو يزيد على ثمانية قرون لا يعرف سوى الإذعان والتسليم والسمع والطاعة للنصوص وحراسها" [ص26]
والسبب ـ كما يقول ـ هو أنه قد"تغير الفضاء المعرفى تماماً ، وتبدل الأفق الثقافى بالكلية ، وتقهقهرت المعارف الثيولوجية ، وكادت أن تختفى منذ عصر التنوير ، وحلت محلها سيادة العقل الذى لا يعترف بأى سلطة سواه" [ص29]
ألم أقل إنها نوبات ؟!
وما أوردنا إلا مجرد مثال .. والأمثلة كثيرة جداً !
( 6 ) .. قليل من السم لا يضر !
فى كتابه"الأسس الفكرية لليسار الإسلامى"، يسخر عبد الكريم من الإيمان بالجنة ، بل من الإيمان بالله ذاته ، ويسميه على سبيل التعمية بـ"القوى غير المنظورة"و"القوى الجبارة" [ص27]
وقد ورد هذا الكلام في سياق هجوم الكاتب على العلماء الذين يتصدون للغزو الفكرى ، ويحذرون من مضاره وأخطاره ، وسخريته منهم ، مع أننا رأيناه هو نفسه قبل ذلك يهاجم المستشرقين مهاجمة عنيفة متهماً إياهم بسوء النية والتربص بالإسلام والعمل على هدمه !
ويعود فى [ص135] ، ليطلق على الوحى السماوى"السلع الماورائية"، على سبيل السخرية والاستخفاف !