إذن، لقد وصف الشيوعيون أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية والشيوعية على أساسه، والذي يسوي بين المادة والفكر، ويعتبر الفكر شكلاً متطورًا من أشكال المادة يعكس الوسط المادّي، وصفوا هذا القول بأنه من المفاهيم المنحطة.
إذن، هؤلاء على اضطراب تام في تفسير الفكر، فبعضهم اعتبروه من المادة، وبعضهم اعتبروا التوحيد بين المادة والفكر كلامًا منحطًا، فلنتساءل: ما هو الحق لديكم في هذا الباب؟ هل هما شيء واحد، أم بينهما انفصال؟.
جـ- تراجعهم عن القول بالمادة بأنها هي أصل كل شيء، وذلك؛
أنه لما جاء القرن العشرون وجاء معه تفجير الذرة فتحولت المادة إلى طاقة وفتح ذلك الباب إلى تعريفات جديدة للمادة، منها: أنها صورة مختلفة من الطاقة فحسب، وقال آخر منهم: إن المادة مركبة من بروتونات وإليكترونات، أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء.
فلمّا تغير مفهوم المادة ورأوا عدم صحة القول بأنها هي وراء كل شيء، بل اكتشف أخيرًا أن المادة في نفسها طاقة تشكلت بوضع خاص فصارت مادة، قالوا: وماذا في الأمر؟ إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة، هكذا قال «لينين» .
من العرض السابق لتعريف المادة وبيان أقوالهم حولها رأينا أن المادة التي قال بها الشيوعيون والماديون، وبنوا عليها مذهبهم قد تغير مفهومها تمامًا، ولم يَعُد لها ذلك المفهوم السطحي الذي نشأت الشيوعية في ظلها، فالمادة في القرن العشرين تحولت إلى طاقة.
وقررت الحقائق العلمية أخيرًا؛ أن الشيء الصلد الذي نلمسه فنراه ذا حجم ثابت ليس أكثر من شحنات كهربية وإلكترونية، بل العالم المادّي المكون من جبال وأنهار وأرض وأشجار ونحو ذلك مما تشهد به حواسنا، هو كتل من الإشعاعات الضوئية المتحركة.
وبهذا نكون قد قضينا على القول بأن المادة هي أصل كل شيء، وفيما يلي نقد أقوالهم في أزلية المادة وأبديتها.
2-عدم وجود دليل قاطع على أزلية المادة وأبديتها:
فإن هؤلاء الملاحدة عندما يوجه إليهم السؤال - الذي يقوم عليه التحدي - من خلق المادة؟ فإنهم يجيبون: إن العلم أثبت أنها وجدت دائمًا منذ الأزل، فنحن نطرح عليهم سؤالاً لابدّ من إجابته لإثبات هذا المدعى، وهو:
أين الدليل العلمي القاطع الذي يثبت صدق دعواكم أن المادة وجدت منذ الأزل؟ وكل ما ذكرتموه من الاستدلالات بأنها سابقة للفكر، وأنها لا تنشأ عن لا شيء، وما لا يمكن إفناؤه لا يمكن أن يخلق، هذه الشبهات الثلاث السابقة الذكر ليست إلاَّ تخمينات وظنون وليس عليها أيّ دليل علمي قاطع، فكيف تؤمنون بالنظريات هذه وأنتم ما أثبتموها إلاَّ بالظنون الكاذبة، ولم تؤمنوا بالخالق المبدع مع أنّ آثار وجوده ظاهرة وباهرة؟
3-مخالفة الشيوعية للمنهج العلمي: وذلك؛
أن فلسفتهم المادية هي - حسب زعمهم - الفلسفة العلمية الوحيدة التي تتفق وسائر العلوم، ومن شأن المنهج العلمي الطبيعي - كما هو معروف - الاقتصار على الكون المادّي، وعدم تجاوزه إلى ما وراءه؛ لأن وسائله التي يعتمدها هي الملاحظة والتجربة، وهذه الوسائل قاصرة عن إدراك ما وراء الكون المادّي، فهي لا تملك إزاءه أية وسيلة للنفي أو الإثبات. فكان الواجب على الماركسية والشيوعية أن تلتزم بموضوع هذا المنهج ولا تتجاوزه إلى غيره، فتركز همّها في دراسة الكون المادّي ولا تتعداه إلى غيره؛ ولكنها أقحمت نفسها بشيءٍ خارج عن مجال خطته التي خطها لنفسه، فتقحمت عالم الغيب، وأنكرت وجود الله سبحانه.
4-مخالفة المادة - التي زعموا أنها أزلية - خصائص الأزلية المعترف بها لدى جميع العقلاء، والمعترف بها لدى الشيوعيين أيضًا لزامًا: وذلك؛
أن الأزلي كما هو مجمع عليه عند العقلاء لابدّ أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
1-أن يكون وجوده من ذاته ومتوقفًا على ذاته، ومن ثَمَّ فإنه يكون مستغنيًا في وجوده وفي بقاء هذا الوجود واستمراره عن غيره، ولا يستطيع غيره أن يؤثر عليه في إيجاد أو تحويل أو إعدام.
2-أن يكون قديمًا لا بداية له؛ لأنه لو كانت له بداية لكان محدثًا من العدم، فلا يكون أزليًّا.
3-أن يكون باقيًا لا نهاية له؛ لأنه لو كانت له نهاية لكان هناك مَن يستطيع إفناءَه.
والماديون عمومًا يسلِّمون بهذه الشروط الواجب توافرها فيما هو أزلي، ولكنهم يحاولون تطبيقها على المادة، ويزعمون أنها أزلية، فهل المادة كذلك؟ هذا ما سيحقق فيما يأتي في الردّ الخامس، وما بعده.
5-أدلة حدوث الكون أو المادة:
وهذه الأدلة يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: في بيان الأدلة العقلية الفلسفية القديمة: