فهرس الكتاب
وكذلك المعلم مع تلاميذه أو الرجل مع زوجته إذا زجرها أو هجرها إذا كان الأمر يقتضي ذلك لكن يبقى الأصل في ذلك محبتها والميل إليها . فإذا كان الشخص يجتمع في إيمان مع ارتكاب محرمات أو ترك واجبات - مما لا ينافي الإيمان بالكلية - فإن إيمانه يقتضي حبّه ونصرته ، وعصيانه يقتضي عداوته وبغضه - على حسب عصيانه .
ومما يبيّن هذا الأمر ما جاء في هدى صلى الله عليه وسلم فقد حقق عليه السلام الأمرين ، والدليل ذاك الرجل الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - واسمه عبد الله ، وكان كثيراً ما يؤتى به فيجلد ، فأتي به في أحد المرات فقال أحد الحاضرين: لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به ، فقال عليه السلام: (( لا تلعنه ، أما علمت أنَّه يحب الله ورسوله ) )أو كما ورد في الحديث - فمقتضى العداوة والبغضاء أن أقام عليه الحد فجلده ، وفي نفس الوقت أيضاً مقتضى الحب والولاء له أن دافع عنه- عليه الصلاة والسلام- فقال: (( لا تلعنه ) )
معاودة الكافرين:
هذه المسألة تغيب في هذا الزمان بسبب جهل الناس وتكالب قوى الكفر على إلغاء الولاء والبراء وإلغاء ما يسمى بالفوارق الدينية .
قال الشيخ حمد بن عتيق (ت 1301هـ ) : ["فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أنَّ الله أوجب ذلك وأكد إيجابه ، وحرّم موالاتهم وشدد فيه ، حتى أنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر وأبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده"] .
وقال في موضع آخر:"وهنا نكتة بديعة في قوله: (( إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) (الممتحنة: من الآية4) وهي أن الله قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله ، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله ، لأن الأول أهم من الثاني ، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ، ولا يتبرأ ممن عبدها ، فلا يكون آتياً بالواجب عليه ، وأما إذا تبرأ من المشركين ، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم" [14]
فإذا علم هذا تبين خطأ وانحراف كثير من الناس عند ما يقولون: نتبرأ من الكفر ونتبرأ من عقيدة التثليث عند النصارى ونتبرأ من الصليب ، لكن عند ما تقول لهم تبرؤوا من النصارى . يقولون: لا نتبرأ منهم ولا نواليهم .
لوازم الحب في الله والبغض في الله .
أشرنا إلى أن الحب في الله والبغض في الله عملان قلبيان لكن لهذا الحب لوازم مثل: النصح للمسلمين ، والإشفاق عليهم ، الدعاء لهم ، والسلام ، وزيارة مريضهم ، وتشييع جنائزهم ، وتفقد أحوالهم .
أما لوازم البغض فمنها: ألا نبتدئهم بالسلام ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وعدم التشبه بهم ، وعدم مشاركتهم في الأعياد - كما هو مبسوط في موضعه .
المبحث الثالث
أحوال السلف الصالح في تحقيق عقيدة الولاء والبراء
يقول أبو الدرداءِ- رضي الله عنه-: ( ما أنصف إخواننا الأغنياء، يحبوننا في الله ويفارقوننا في الدنيا، إذا لقيته قال: أحبكَ يا أبا الدرداء ، فإذا احتجت إليه في شيءٍ امتنع مني ) [15]
ويقول أيوب السيختياني- رحمه الله-:"إنَّه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنَّه مات، فكأنما فقدتُ بعض أعضائي".
وكان أحمد بن حنبل- رحمه الله- إمام أهل السنة، [ إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه ، فقيل له في ذلك، فقال- رحمه الله-: ( لا أقدرُ أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ) [16] .
فانظر - يا رعاك الله - كيف كان تعظيم الله وتوقيره في قلب الإمام أحمد يجعله لا يطيق النظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ، وأي افتراء أعظم من مقالة النصارى أن لله ولد - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - قال عمر بن الخطاب في شان النصارى:"أهينوهم ولا تظلموهم ، فإنهم سبُّوا الله تعالى أعظم المسبة".
وهذا بهلول بن راشد- رحمه الله- من أصحاب مالك بن أنس- رحمه الله- دفع إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري به زيتاً ، فذُكر للرجل أن عند نصراني زيتاً أعذب ما يوجد . فانطلق إليه الرجل بالدينارين وأخبر النصراني أنه يريد زيتاً عذباً لبهلول بن راشد ، فقال النصراني: نتقرب إلى الله تعالى بخدمة بهلول كما تتقربون أنتم إلى الله بخدمته . وأعطاه بالدينارين من الزيت ما يعطى بأربعة دنانير، ثم أقبل الرجل إلى بهلول وأخبره الخبر، فقال بهلول: قضيت حاجةً فاض لي الأخرى ، رُدَّ علىّ الدينارين فقال: لم ؟ قال: تذّكرت قول الله تعالى: (( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ) (المجادلة: من الآية22) .
فخشيت أن آكل زيت النصراني فأجد له في قلبي مودة فأكون ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير [17]
وسئل الإمام أحمد عن جار رافضي ؟ فقال: ( لا تسلم عليه ، وإذا سلم لا يُرد عليه ) [18] .
وكان ابن رجاءٍ من الحنابلة، يهجرُ من باع لرافضي كفنه ، أو غسله ، أو حمله [19]