الثاني: كانت أفكار الشيخ محمد عبده ـ كما يقول سفر الحوالي ـ حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي ومن ثم باركها المخطط الصهيوني الصليبي العالمي واتخذها جسراً عبر عليها إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية ، بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة الإسلامية والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة ، واستوراد النظريات الاجتماعية الغربية وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضاً [17]
نعم كان محمد عبده مخلصا وجادا فيما يفعل ، وأراد محمد عبده الوقوف في وجهة الجمود العقلي الموجود في هذه الأيام ، وأن يجاري العقل الأوروبي صاحب الاختراعات والاكتشافات العلمية يومها ، فبالغ في إعمال العقل وصار تحت ردود الأفعال فأحدث انحرافا جديدا [18] .
ونعم أراد محمد عبده أن يقيم سدا في وجه الاستعمار الغربي والغزو الفكري يومها ، فأقام قنطرة عبر عليها العدو إلى ثوابتنا الإسلامية ، فكان ما كان . كما يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم .
ومن يقرأ عن حياة محمد عبده ويأخذ شخصيته من كل جوانبها ، يجد أن الشيخ كان شغله الشاغل هو تحسين صورة الإسلام في أعين الغربيين . والنهوض بالأمة ، نهضة مادية كالتي كانت في أوروبا يومها ، وربما هذا هو القاسم المشترك بينه وبين من يحاولون إحياء دعوته اليوم .
من المهم جدا تحديد المنطلق ، ومن المهم جدا وضوح الهدف بدقة . وثلة غير قليلة من مثقفي اليوم ، تريد تحسين صورة الإسلام أمام الغرب ، وتريد الرقي المادي بالأمة الإسلامية ، وتجد أقلامهم تأن من كل فعل ( يشوه ) صورة الإسلام أمام الغرب ، وهم يصرحون بهذا في أكثر من مقام .
هذا هو هدفهم الذي يظهر لي ، وهذا هو منطلقهم الذي يخرجون منهم .
والذي أفهمه هو أن رسالتنا هي تعبيد الناس لله وليس الرقي المادي بحياتهم ، وأن الخطاب الأخروي لا ينبغي أن يغيب عن البال ، فالشرع جاء أساسا لإنقاذ الناس من نار جهنم"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"، وإصلاح الدنيا يأتي تبعا ، لا أصلا"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"
والذي أفهمه أنه مر مائة عام على وفاة محمد عبده ، ولم نجن من مشروعه الإصلاحي إلا الشوك . . . حرية المرأة ، والجامعات المختلطة ، والسخرية من التيارات السلفية الملتزمة بالهدي النبوي . .. الخ .
نعم لم نجن من مشروع محمد عبده إلا الشوك ، والعجب كل العجب أن يأتينا آخر يريد منا اليوم بذر الشوك ثانية للأجيال القادمة . !!
كتب: محمد جلال القصاص
[1] [راجع إن شئت العلمانية للدكتور سفر الحوالي صـ 575]
[2] ومن أراد المزيد فليقرا خاطرات جمال الدين الأفغاني اختيار عبد العزيز سيد الأهل ص: 14 والاتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية علي الحوافظة:102، 181،182 وكان للأفغاني نشاط ماسوني وكان يشرب الكونياك ـــ وهو نوع من الخمر ــــ كما ذكر ذلك محمد رشيد رضا في"تاريخ الأستاذ"جـ 1 / 49
[3] . [ رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده تقديم حسين يوسف الغزال ص: 15،20]
[4] [نقلا عن العلمانية للشيخ الدكتور سفر الحوالي ص:575 س
[5] المصدر السابق صـ 576، 577
[6] ".[ (3) رسالة التوحيد- محمد عبده تقديم محمد أبورية ص8"
[7] [ المصدر السابق ص 10 ]
[8] "ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب ( منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير ) الدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي . صـ 124 ـــ 169 )"
[9] ، [رسالة التوحيد تقديم حسين الغزال ص18 ] . قلت: وهذا يشي بانفصال الدين عن السياسة في رأس الرجل .
[10] [سلسلة أعلام العرب ص 20 ]
[11] [العلمانية 578]
[12] [أعلام العرب ص: 176]
[13] [أعلام العرب ص: 176]
[14] [ أحمد لطفي السيد ص 132 وجاء مثل هذا في كتاب قاسم أمين ص 158، 159]
[15] أورد هذا الكلام خالد محمد خالد في كتابه الديمقراطية أبداً ص: 164، 165 .
[16] [ العقاد:أعلام العرب ص: 176]
[17] . [ العلمانية ص:579 ]
[18] راجع ـــ إن شئت ـــ مقدمة كتاب مقومات التصور القرآني للأستاذ سيد قطب .