والعلايلي في نظرته للشريعة -العملية كما يسميها- لا يحتج إلا بالقرآن والحديث المشهور، وما دون ذلك فهو عنده مما يستأنس به فقط ولا تقوم به حجة، فنراه يقول:"إني في الواقع لا أقول ولا أعتد إلا بالتنزيل الكريم وبالمشهور من الحديث الذي هو في قوة المتواتر، وبالمنطق الفقهي الشامل لـ (علوم الخلاف والأصول والاستدلال) ، وما عدا ذلك لا أرتفع أو أرقى به عن مقام الاستئناس إلى مقام الحجية لأكون قويماً لحّاً أو صميماً مع الإسلام العملي الصحيح" (1) . ويفرق في موضع آخر من كتابه بين العبادات والمعاملات في الاحتجاج بالسنة، فيرى أنه:"1-في (العبادات) ينبغي الأخذ بالقرآن وما صح من الحديث. 2-وفي (المعاملات) يؤخذ بالقرآن وحده ويستأنس بالحديث استئناساً فقط، ويبرر هذا التفريق المأثور والشائع (أنتم أدرى بشؤون دنياكم) …، ووجه التفرقة بين العبادات والمعاملات أن الأولى تبتلات وابتهالات شأنها تسامي الفرد روحياً… بينما الثانية شأنها التنظيم الاجتماعي العام… وهي خاضعة للمتغيرات العاملة الدائبة ففي كل حين هي في شأن" (2) . ومن هذا المنطلق نجده في كتابه يجيز زواج المسلمة من الكتابي !! اعتماداً على قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (3) ، فالآية كما أنها صريحة في النص على تبادل حلية الطعام؛ هي -في نظره- صريحة في تبادل حلية الزوجية؛ أي نساؤهم حل لنا ونساؤنا حل لهم، ويرى أن الفقهاء وإن درجوا إجماعاً على القول بعدم حل مثل هذا الزواج إلا أن إجماعهم -في نظره- متأخر ولا يقوم على دليل قطعي.
ولم يكتف العلايلي بجعل باب المعاملات في الفقه الإسلامي خاضعاً للمتغيرات الدائبة ووصفها بأنها كل يوم هي في شأن -كما تقدم- بل أشرك معها في هذا الشأن باب العقوبات، حيث ادعى بأن العقوبات المقررة في الشرع ليست مقصودة بأعيانها بل بغاياتها وهي الردع عن ارتكاب الجريمة؛ فكل ما أداها يكون بمثابتها. ومن هنا ادعى أنه لا رجم في الإسلام ولا قطع ولا جلد ولا حد إلا بعد معاودة الجريمة وتكرارها والإصرار عليها، فنراه يقول تحت عنوان (أبأعيانها أم بغاياتها هي الحدود الجزائية) :"خلاصة ما انتهيت إليه في هذا الموضوع أن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعيانها حرفياً بل بغاياتها، وليس معنى هذا الرأي أن عقوبة القطع في السرقة ليست هي الأصل وأنها لا تطبق، بل أعني أن العقوبة المذكورة غايتها الردع الحاسم، فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها، وتظل هي الحد الأقصى الأقسى بعد أن لا تفي الروادع الأخرى وتستنفد، ومثلها الجلد في موجبه. وجل ما في الرأي الذي أطرحه أنه أشبه بما يُتبع في القوانين الجزائية من النص على عقوبة ما فيتعداها ويتجاوزها القاضي إلى الأخف فيحكم بالغرامة لا بالسجن، وذلك تبعاً للدواعي والملابسات والتقدير. وانتهيت إلى هذا الرأي انسياقاً مع روح القرآن الكريم الذي جعل القصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين؛ هذا مقطوع اليد والآخر مقطوع الرجل والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف. وحق لي من بعد أن أنتقل إلى المفاجأة الكبرى، وهي أنه لا رجم في الإسلام -كما هو مذهب الخوارج عامة- لأن ما شاع وذاع من قول بالرجم يعتمد على طائفة من أحاديث لم ترتفع عن درجة الحسن (منها الحديث المتعلق بماعز بن مالك الأسلمي، والحديث المتعلق بالغامدية الأزدية) ، ولأن هذه الأحاديث مخالفة مخالفةً صريحة للقرآن فلا يُعتد بها. ولو كان عقاب المحصنة من الحرائر الرجم حتى الموت كان أحرى أن يُنص عليه تعييناً لهوله، وادعاء النسخ بالحديث قلبٌ لمقاييس الأحوال. ولا يتسنى لزاعم متزمت اتهامي بأني أنكر ما هو نص قرآني، لأني جعلته أقسى العقوبات الزواجر وأقصى الروادع التي يُلجأ إليها. والذي يهمني من وراء هذا كله هو اعتماد"التعزير"الخاضع لتقدير القاضي وحصر النظر به وحده، وأنه لا قطع ولا جلد ولا حد إلا بعد استتابة ونكول وإصرار معاود للمعصية" (4) .
(1) … المرجع السابق ص 19.
(2) … المرجع السابق ص 108.
(3) … سورة المائدة الآية 5.
(4) … المرجع السابق ص 73 - 83 بتصرف يسير.