فهرس الكتاب

الصفحة 20831 من 27364

وقال الدكتور مفرح القوسي عنه:"الدكتور محمد أركون (1) : أحد كبار العلمانيين الداعين إلى التعامل مع الإسلام -كتاباً وسنة بوجه خاص- بالمقاييس بالغربية، تجنى كثيراً في كتاباته واللقاءات العديدة التي أُجريت معه على السلف ومنهجهم. فهو -مثلاً- يتهم المنهج السلفي بأنه منهج أسطوري لا تاريخي مغرق في التجريد والمثالية، فنراه يقول تحت عنوان (الرؤية الإسلامية التقليدية) :"إليكم كيف يلخص المفكر الحنبلي ابن تيمية هذه الرؤية كما فرضت نفسها انطلاقاً من القرن التاسع: (فهذه الطبقة -صحابة النبي- كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهماً خاصاً…، فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي أنبتته الأرض الطيبة، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية، وهي التي حفظت النصوص، فكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها) (2) ، ويعلق أركون على ذلك بقوله مباشرة:"يتضح أكثر ما يتضح كيف يحذف تمجيد الجيل -الصحابي- الذي شاهد الوحي، يحذف المنظور التاريخي من الناحية العملية، فكل الحقيقة التي يمكن معرفتها، وكل التعاليم السنية في الإسلام، وكل نماذج السلوك الديني المحتذاة، ونماذج العمل الإنساني والتنظيم السياسي الاجتماعي، كل ذلك يتركز ويتحدد غاية التحديد في عصر التأسيس؛ في النصوص، الينابيع، النماذج (القرآن، الأحاديث النبوية المسماة سنة) ، وهي مفهومة فهماً مثالياً وتحظى بتفسير الصحابة البارع، ثم إنها قد جُمعت ونُقلت بأمانة دقيقة من قبل التابعين وأجيال الفقهاء الورعين اللاحقين. وهذه السلسلة المتصلة من الشاهدين الذين لا يطالهم لوم؛ تجعل من الجائز أن يكون هناك مفهوماً إسلامياً صحيحاً معروفاً منذ أصوله، ومستمراً بواسطة المؤمنين ضد الانحرافات والالتواءات والتشوهات التي أقحمتها الفرق المبتدعة عبر العصور. وبالاستناد إلى حديث يُذكر دائماً أن محمداً نفسه قد أعلن أن أمته ستُقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة ناجية؛ لأنها هي التي اتبعت سنته بحذافيرها، أي: كل تعاليمه وكل ممارساته، وهذه"

الجماعة من المؤمنين الحقيقيين تسمى (أهل السنة والجماعة) . ومثلما يحدث في جميع الحركات الأيديولوجية الكبرى نهضت عدة جماعات في وجه المسلمين السنيين؛ احتجاجاً على دعواهم الانفراد بالإسلام الحقيقي والعمل على استمراره، ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن كل فرقة تعلن عن نفسها أنها وحدها التي تستأثر بالسنة، ولكنها كلها تقيم الصلة ذاتها بعصر التأسيس، وذلك بوضع المصادرات التالية موضع التنفيذ:

أن الوحي القرآني يشتمل على كل ما ينبغي على الإنسان أن يعرفه حول مصيره الخاص وحول الآخرة والتاريخ والعالم والله.

لقد أبان محمد بقوله وعمله المعنى الدقيق للوحي، وأن حياته تؤلف على هذا النحو الأنموذج الكامل، الذي يترتب على كل مؤمن أن يسعى لمحاكاته.

أن حياة محمد وتعليمه يمكن أن يُعرفا عن طريق الرواية التي لا ينالها الشك، مما قام به الصحابة والتابعون والفقهاء. ومما يلاحظ أن الخلاف يتناول دروب الرواية والوضع الأخلاقي الديني للرواة، ولكنه لا يمس نماذج الرواية ولا تقنيتها (سلسلة الإسناد) . وإن الفرق كافة تستعمل إذن النشاط الذي يضفي الأسطورية على الماضي، وتمارس عمل الإسقاط ذاته لمفاهيم شتى، وأوضاع تاريخية متغيرة على لائحة الدلالات المثالية التي أقيمت في ذلك الوقت.

(1) … مفكر جزائري ولد عام 1928م بالجزائر، وبها بدأ دراسته، ثم أتمها بباريس عام 1955م، حصل على الدكتوراه من جامعة (السربون) سنة 1969م، حول (الإنسية العربية في القرن الرابع الهجري) ، نشأ نشأة استشراقية ألقت بظلالها على نشاطه وإنتاجه الفكري، حاضر في العديد من الجامعات الفرنسية والعربية، ويعمل حالياً أستاذاً بجامعة (السربون) بباريس، من مؤلفاته: (الفكر العربي) و (الفكر الإسلامي نقد واجتهاد) و (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) و (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي) .

(2) … نقض المنطق ص 79.

أن قيمة السلوك الإنساني، وبوجه أعم قيمة النمو التاريخي للشعوب بعد سنة 632 (سنة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ) إنما تتبع بدقة وظيفة ترسخها في النصوص- الينابيع- النماذج، وفي الأشكال الرمزية المثالية (النبي، الصحابة، الأئمة) ، وكل ابتعاد عن هذه النماذج لا يُعاش ولا يُطرح إلا بوصفه ضلالاً وانحطاطاً يصيب الأمة" (1) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت