فهرس الكتاب
لو تجاوزنا قضية شكه في القرآن ورده للسنة من باب فماذا يفسر به القرآن وكيف يفهمه؟ إنه يقول:"إن القرآن -كما الأناجيل -ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، أما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس -اعتقاد الملايين -بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغال وفعال ومبادئ محدودة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف" (1) .
ويقول في موضع آخر:
"إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تتلقى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محورة عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية يمكن فقط للتحليل التاريخي السيولوجي والبسيكولوجي اللغوي -أن يعيها ويكشفهما" (2)
ويفصل أركون بين القرآن والشريعة، فالقرآن عنده خطاب مجازي يغذي التأمل والخيال والفكر والعمل ويغذي الرغبة في التصعيد والتجاوز، والمجتمعات البشرية لا تستطيع العيش طيلة حياتها على لغة المجاز" (3) ولكن هناك البشر المحسوسون العائشون -كما يقول -في مجتمع وهناك أمورهم الحياتية المختلفة التي تتطلب نوعاً من التنظيم والضبط وهكذا تم إنجاز الشريعة (4) ثم يعقب بأن هناك مجالاً أسطورياً مجازياً وهو مجال القرآن، ومجال آخر واقعي للناس هو مجال الشريعة ويقول:"إنه وهم كبير أن يتوقع الناس علاقة ما بين القرآن والشريعة التي هي القوانين الشرعية وأن المناخ الميثي (الأسطوري) الذي سيطر على الأجيال السابقة هو الذي أتاح تشييد ذلك الوهم الكبير، أي إمكانية المرور من إرادة الله المعبر عنها في الكتابات المقدسة إلى القوانين الفقهية (الشريعة) وحجته في ذلك ما يلي: في الواقع أن هناك أنواعاً مختلفة من الكلام (من الخطاب) وهناك فرق بين خطاب شعري أو ديني، وخطاب قانوني فقهي أو فلسفي، ولا يمكن لنا أن نمر من الخطابين الأولين إلى الخطابات الأخرى إلا بتعسف واعتباط" (5) ألا ترى أنك يا أركون قد استطعت أن تمرق من الخطابين ؟!"
مكانة السنة عنده:
ليس هذا مجالاً لمتابعة هذه الأقوال والرد عليها، فيكفي هنا التعريف بمعالم فكره بما فيها جرأته على الشك في ثبوت وصول القرآن إلينا، وجرأته على نفي الحديث والزعم بأن الظروف السياسية وأوضاع المجتمعات التي انتشر فيها الإسلام احتاجت إلى أحاديث وقال:"إن السنة كتبت متأخرة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم-بزمن طويل وهذا ولد خلافات لم يتجاوزها المسلمون حتى اليوم بين الطوائف الثلاث السنية والشيعية والخارجية، وصراع هذه الفرق الثلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويسيطرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة" (6) . وهو يرى أن الحديث هو جزء من التراث جعلهم يحتكرون الحديث ويسيطرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة". وهو يرى أن الحديث هو جزء من التراث الذي يجب أن يخضع للدراسة النقدية الصارمة لكل الوثائق والمواد الموروثة كما يسميها (7) ، ثم يقول:"وبالطبع فإن مسيرة التاريخ الأرضي وتنوع الشعوب التي اعتنقت الإسلام -قد خلقت حالات وأوضاعاً جديدة ومستحدثة لم تكن متوقعة أو منصوصاً عليها في القرآن ولا في الحديث، ولكي يتم دمجها وتمثلها في التراث فإنه لزم على المعنيين بالأمر أن يصدقوا عليها ويقدسوها إما بواسطة حديث للنبي، وإما بواسطة تقنيات المحاجة والقياس" (8) ."
(1) … تاريخية الفكر الإسلامي، ص 299.
(2) … الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص 191.
(3) … تاريخية الفكر الإسلامي، ص299.
(4) … المصدر السابق، ص 299.
(5) … المصدر السابق، ص 299.
(6) … أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 103.
(7) … أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص 108.
(8) … أركون، الفكر العربي، ص 174 ترجمة عادل العوا.