فهرس الكتاب

الصفحة 20877 من 27364

ردّد ذلك وشعور من الزهو وشيء لا يعرفه ، أشبه ما يكون بالذنب ، يمتزجان في داخله . كانت يدها قابضة على يده ، فمدَّ يده الأخرى وأخذ يربت على خدها ويتحسسه بلذَّة ، فيما ارتمت هي في أحضانه بعنف ، وأخذت تشمه بصوت مسموع ، وهي تردد:

ـ أحبُّك … أحبُّك يا هشام … أعشقك … أعبدك ) (1) .

تنقص عظيم:

…ومن تنقصه لله ـ عز وجل ـ

قوله متحدثاً عن هشام وهو يحلم في منامه:

( وأخذ يسير على غير هدى في الصحراء ، وقشعريرة البرد تستولي عليه . كل شيء يوحي أنه لا يسير ، رغم أنه يسير . النجوم هي النجوم ، والصحراء والظلام عديمة الأبعاد لا يريد أن تنجلي ، واختفت البداية ، وتلاشت النهاية، فلا يدري أهو يسير أم يهيأ له أنه يسير . ولاح له بصيص نور من بعيد ، وأحس بالفرح الغامر رغم أنه يعلم أنه يحلم . وأخذ يغذ السير ، فيما النور يزداد سطوعاً وتتعدد ألونه ، أخضر وأحمر و أصفر ، ويتخللها لون أزرق باهت . وأخيراً وصل إلى حيث النور ، ثم فجأة أشرقت الشمس وهي تضحك بشكل هستيري لم تكن ذات الشمس التي يعرف ، فقد كانت شديدة الحرارة عديمة النور ، فرغم سطوعها ، إلا أن الظلام الحالك ما زال سائداً . وأخذ دماغه يغلي من الحرارة الشديدة ، إلا أن جسمه كان يرتعش برداً ، وأخذت النجوم ترسل سهاماً فضية في كل مكان ، حيث تتكسر بصوت أقرب إلى الرنين على صخور لا يراها ، ولكنه يعلم أنها هناك .

وفي خضم كل ذلك ، كانت نسمات هواء منعش تأتي من واحة وارفة الظلال تنبعث منها تلك الأضواء التي رآها من بعيد .كانت محاطة بأسلاك شائكة من كل جوانبها ، فلم يستطع الدخول . وأخذ يحوم حولها ، حتى تبين له الباب من بعيد .أتجه إليه ، وأراد الدخول بعجلة ، إلا أنه في اللحظة تلك ، برز له شخص من حيث لا يدري ، يحمل سوطاً طويلاً ، وملامح غريبة ، فقد كان له وجه ثور ، في رأس وجسم بشريين ، له مخالب في يديه ورجليه أشبه بمخالب الكلب ، وفي مؤخرته يبرز ذيل لولبي أشبه بذيل الخنزير ، استوقفه هذا الكائن وهو يخور قائلاً:

ـ إلى أين أيها الإنسان ؟

ـ أريد المأوى والطعام والسلام … هل هذا كثير ؟

ـ وهل تعتقد أن الدخول بهذه البساطة ؟ … الواحة واحتي ، ولا يدخلها إلا من يدفع الثمن . وثمنها بخس جداً … قبول شروطي .

ـ واحتك ؟ … شروطك ؟ … من أعطاك إياها ؟

ـ قوتي هي من أعطاني إياها … إنها لي وحدي .

ـ القوة لا تصنع حقاً.

ـ الحاجة أساس الحق .

ـ ونخر الكائن الغريب ، ثم قال بنفاد صبر:

ـ قوتي هي الحق هنا ، وإن كنت في شك من ذلك ، فحاول الدخول رغماً عني.

…ولم يجد بداً من الاستسلام ، فقد كانت الحرارة والبرودة والظلام والصحراء لا تطاق ، فقال:

ـ حسنا … وما هي شروطك ؟

…وافتر وجه الكائن عن بسمة رضا واسعة ، وأخذ اللعاب اللزج يسيل من بين أسنانه الضخمة ، فيما تحول أنفه إلى اللون الأرجواني وهو يقول:

ـ الآن أصبحت عاقلاً وحكيماً .

…ثم استطرد:

ـ ليس لي إلا شرط واحد لا غير … أن تطيعني في كل ما آمرك به ، ولك أن تتمتع بالماء والهواء والثمار والسلام .

ـ ياله من سعر باهظ !

ـ ويالها من ثمار طيبة !

ـ وإن رفضتُ؟

ـ ليس لك إلا الصحراء والجوع والعطش وكلاب الطريق .

ـ ولكني لا أستغني عن الحرية …

ـ ونخر الكائن مرة أخرى وهو يقول:

ـ الحرية … ماهي الحرية ؟ مجرد كلمة .

ـ ولكن في البدء كان الكلمة .

ـ وما نفع الكلمة مع الجوع والقلق .

ـ وما نفع الشبع والسكينة مع العبودية ؟

…وأخذ الكائن ينخر ويهز سوطه في الهواء ، وهو يقول:

ـ دعك من هرائك هذا … أمامك خياران ، إما أن تقبل شرطي وتدخل واحتي ، أو أن تعود إلى الضياع في الصحراء .

…وأخذ يفكر في الخيارين وهو يختلس النظرات إلى داخل الواحة لقد كانت مظلمة مثل الصحراء حوله ، رغم الألوان التي كانت تحيط بها ، وتلك الأضواء التي يراها من هو بعيد ، ولكنها تختفي حالما يصلها أحدهم . ومن الداخل كانت تتراءى أشباح أهل الواحة رغم الظلام … وجوه حمراء ، وكروش منتفخه ، وأعين فقدت بريق الحياة ، وهم يأكلون طوال الوقت . وهيئ له أن وجوههم قد بدأت تتحول إلى شيء أقرب إلى وجه الكائن الذي يقف أمامه .

ـ ولكن قل لي …

…قال هشام موجها حديثه للكائن:

ـ لماذا الظلام دامس في الواحة رغم الألوان والأنوار التي تتراءى من بعيد ؟

…وضحك الكائن ، وهو يمتص بعض لعاب سال من جانب فمه ، قال:

ـ الظلام في كل مكان ، ولكن الطعام هنا فقط .

ـ ولكني أرى بصيص نور في الأفق يوحي بانبلاج الفجر في الصحراء ، ولا أرى ذلك البصيص في الواحة !

ـ النور مزعج للعين ، ونحن لا نحبه هنا فهو مفسد للسكينة والطمأنينه . ليس ألذ وأجمل من هدوء الليل ، وصمت الظلام .

ـ لم لا تقول إنك أنت من يكره النور ، كي لا يرى أحد وجهك المسخ .

وهناك ثار الكائن ، وأخذ ينخر بشدة ، ورفع السوط في الهواء يريد أن يهوي به على جسد هشام ، الذي فر من أمامه وهو يقول:

(1) الشميسي ( ص169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت