فهرس الكتاب
…وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (1) وقال {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} (2) وذم المستكبرين عنها بقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (3) ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} (4) وقال {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} (5) الآيات ولما قال الشيطان {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} قال الله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (6) .
…وقال في وصف الملائكة بذلك: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} إلى قوله {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (7) . وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (8) .
وقال تعالى عن المسيح ـ الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة { إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} (9) ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ) (10) .
…وقد نعته الله"بالعبودية"في أكمل أحواله فقال في الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا} (11) قال في الإيحاء: { فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (12) . وقال في الدعوة: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} (13) . وقال في التحدي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } (14) . فالدين كله داخل في العبادة .
…وقد ثبت في الصحيح (15) أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال:"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً". قال: فما الإيمان ؟ قال:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: فما الإحسان ؟ قال:"أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"ثم قال في آخر الحديث"هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم"فجعل هذا كله من الدين .
…"والدين"يتضمن معنى الخضوع والذل . يقال: دنته فدان أي: ذللته فذل ويقال يدين الله ، ويدين لله أي: يعبد الله ويطيعه ويخشع له ، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له .
…و"العبادة"أصل معناها الذل أيضاً ، يقال طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام .
…لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب ، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له ، فإن آخر مراتب الحب هو"التتيم"وأوله"العلاقة"لتعلق القلب بالمحبوب ، ثم"الصبابة"لانصباب القلب إليه ، ثم"الغرام"وهو الحب اللازم للقلب ، ثم"العشق"وآخرها"التتيم"يقال: تيم الله أي: عبد الله ، فالمتيم المعبد لمحبوبه .
(1) سورة الأنبياء ، الآية 20 .
(2) سورة الأعراف ، الآية 206
(3) سورة غافر ، الآية 60 .
(4) سورة الأنسان ، الآية 6
(5) سورة الفرقان ، الآية 63
(6) سورة الحجر ، الآيتان ، 39، 40 .
(7) سورة الحجر ، الآية 42 .
(8) سورة مريم ، الآيات 88ـ 95
(9) سورة الزخرف ، الآية: 59 .
(10) أخرجه البخاري ومسلم .
(11) سورة الإسراء ، الآية ، 1.
(12) سورة النجم ، الآية: 10 .
(13) سورة الجن ، الآية: 19 .
(14) سورة البقرة ، الآية: 23 .
(15) أخرجه البخاري ومسلم .
…ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له ، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له ، كما قد يحب ولده وصديقه ، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى ، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء ، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء ، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله .