وإنَّما تقع الرِّدة والضَّلال ، ويتَأصَّل الزَّيغ والنِّفَاق في قلبِ العبد إذا عارَض شرع اللهِ تعَالى ؛ تقليداً لغيرِِه ، أو لرأيِ أحدثه ، مُتبعاً فيه هَواه ، مُعرضاً عنْ شرعِ الله سبحانه {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ومع عظيم الأسى ، وشديد الأسف فإنَّ الإعلام المُعاصر في أكثر فضائِياته وإذاعاته ، وصُحُفِه ومَجلاَّته ، يُربِّي المتلقين عنه على التَّمرُّد على أوامِر الله تعالى ، وانتِهاك حُرُماته والإجتِراء على شريعتِه ، في كثير من القضَايا التي يلقيها على النَّاس من سِياسيَّة واقتِصاديَّة ، واجْتماعيَّة وثقافيَّة ، ولا سيَّما إذا كان الحديث عنِ المرأة وقضَاياها.لقدِ اعتاد المتلقون عنِ الإعلام وبشكلٍ يومي ، بل وفي كلِّ ساعة ولحظَة ، اعتادوا على مُشاهدة سُفور النِّساء ، وظُهُورِهنّ بأبَهى حُلَّة ، وأَجمَل زِينَة ، مُتكشِّفَات مُبتسِمات ، مُختلِطات بالرِّجال ، تجلِس المرأة بجِوار الرجل وتُمازٍحه وتُضاحِكه ، أمًام ملايين المُشاهِدين والمُشاهِدات ، ولا هيَ قريبتُه ، ولا هو محرم لها ، وليس بينهما رباط إلاَّ رِباط الإعلام والشَّيطَان ، ولا يكاد يخلو برنامج أو فقرة من رجل وامرأة في الأخبار والحِوار والرِّياضة والسِّياسة ، والأزيَاء والطَّبخ ، بل حتَّى برامِج الأطفَال لا بُد فيها من فتى وفتاة ، وهذه الصورة المُتكرِّرة في كُلِّ لحظَة تَهُون هذا المُنكر العَظيم في نُفُوس المُشَاهدين ، وتُحَوِّلُهُ مِن مَعصِية وعَيب إلى لا شَيء ؛ وتِلك والله مِن الفِتَن التي يُرقِّق بعضُها بعضاً كما جاء في الحديث ، واعتياد النَّاس لهذه المَشاهد الآثِمة يجعل إنكارهم لها ، وانصرَافهم عنها ضعيفاً جداً ، بل لرُبَّما أنَكَر أكثرهم على من ينكرها ، أو ينكر على من يُشَاهدها ، فانقلبت مِن كونِها مُنكراً وباطلاً إلى معروف وحق لا يجوز أنْ يُجَادَل فيه أحد.وهذا التَّهوين للمُنكَر بالفِعل والصُّورة الذي يتَكرَّر في كُلِّ سَاعة ولَحظة ، يُصاحِبه تسويغ له بالكلمة والمَقالة ؛ فينبري أجهلِ النَّاس بالشَّريعة ، وأضعف الخلق ديانة لمناقشة مسائل الحِجَاب والسُّفُور والخَلوَة والإختِلاط ، وسَفَر المَرأة بِلا مَحَرم ، وليس نِقاشهم عِلمِياً موضوعياً لإحقاق حق ، وإبطَال باطِل ، وإنَّما هو نسف للشَّريعة ، وإبطَال للقُرآن والسُنَّة ، وإلغَاء لما سَارت عليه الأُمَّة المُسلمَة في قُرونشها السَّالفة ، وإحلال للقوانين والعَادات الغَربية محل شريعة الله تعالى في التَّعظيم والطَّاعة والإمتِثال باسم الإنفِتاح والرُّقي والتَّقدُّم.ومِن آثار هذا التجييش الإعلامي للباطل ، ونشر تلك الرَّذائِل على أوسع نطاق نرى تَغَيُّراً مستمراً في كثيرٍ منَ بُيوتِ المُسلمين ، يَتجلَّى في مََظاهر عِدَّة ، وأخلاقِ بدِيلة لم يكُن المُسلمُون يعرفونَها قبل هذا الغَزو الإعلامي ، من التَّساهل بالحِجَاب ، وسَفَر الفتاة للدِّراسَة بِلاَ مَحَرَم ، ومُزَاحمة المرأة للرِّجال في العمل ، واختلاطِها بِهِم في كَثير مِنَ المجالات والأعمال ، بلا خجل ولا حياء ، وأهل الفساد يوسعون دائرة الإفساد ليجتاح الأمة بأكملها ، ويأتي على البيوت والأسر كلها ، وإذا لم يسع المسلمون لإيقاف هذه الأمراض التي تفتك بالمجتمعات ، ولم يأخذوا على أيدي دعاة الرذيلة وناشري الفساد ؛ فإنه سيأتي اليوم الذي يفقد فيه الرجل سلطانه على نسائه وبناته ، فيخرجن متى أردن ، ويصاحبن من شئن ، ويفعلن ما يحلو لهن ، كما وقع في كثير من بلاد المسلمين التي غزاها شياطين الإنس بأفكارهم ، ودمروها بمشاريعهم التغريبية التخريبية ، وحينها لا ينفع ندم ولا بكاء على عفة فقدت ، وقد كانت من قبل تستصرخ أهل الغيرة ولا مجيب لها ، ونعيذ بالله تعالى بلادنا وبلاد المسلمين إن يحل بها ذلك.إنَّ الخطَأ خطأ ولو كثر الواقعون فيه ، وإنَّ المنكر لا ينقلب إلى معروف بمجرد انتشاره ، وهكذا الباطل يبقى باطلا ولو زينه المزورون بزخرف القول ، وروجوه بالدعاية ، والواجب على أهل الإسلام إنكار المنكر ولو كان المتجافي عنه غريبا في الناس، كما يجب عليهم إحقاق الحق ولو أعرض عنه أكثر الناس ، فانتشار الباطل وانتشاء أهله ، وغربة الحق وضعف حملته لا يسوغ السكوت والتخاذل. وإلا غرق المجتمع كله في حمأة الباطل ، وطوفان الرذائل. واختلاط المرأة بالرجال هي القضية الأساس التي يسعى المفسدون لنشرها في المجتمع ، ويستميتون في إقناع الناس بها ، ويوجدون لها المسوغات ، ويجعلونها من الضرورات ، ويعزون كل بلاء في الأمة وتخلف وانحطاط إلى ما ساد من عزل المرأة عن الرجل في التعليم والعمل وغير ذلك. ويعلم المفسدون في الأرض أنهم إن نجحوا في نشر الاختلاط وقهر الناس عليه بقوة القرارات الدولية ، والتَّخويف بالدوّل المستكبرَة ، واستغلالِ نفوذِهم في بلادِ المسلمين ، والتفافشهم على أصحابِ القرارَات والتوصيات ، مما يجعلهم قادرين على إلجاء الناس إليه عمليا في العمل والدراسة ، وفرضه بقوة النظام