فهرس الكتاب
ولكن صاحبنا قد تجاهل ذلك وادعى أن قول الله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) (1) أمر خاص بنبي الله داود ولا ينطبق على خاتم المرسلين، ويزعم أنه لم يرد في القرآن نص بذلك.
وبهذا المنطق المعكوس يستطيع كل جاهل أو محرف لدين الله يقول إن صلاة الصبح أو صلاة الظهر لم ترد في القرآن فلا نلزم بها أو إن زكاة المعادن لم ترد في القرآن فلا نلزم بها.
ومع عدم تسليمنا له أن يكون الدليل من القرآن فقط لأن في هذا إنكاراً للسنة النبوية.
فإن القرآن الكريم قد قال لنبيه والمؤمنين معه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) (2) وقال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) (3) كما قال الله لنبيه في شأن أسرى معركة بدر (وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) (4) فهذه الآيات وغيرها مما أوردته في المقال الأول متعلقة بأمور السلم والحرب، لا يمكن أن ينفذه صلى الله عليه وسلم إلا من خلال حكومة ودولة.
فهل كانت المدينة المنورة تحت حكم اليهود أو الوثنيين من العرب ونفذوا للنبي r هذه الآيات القرآنية لأنه قام بإصلاح إداري لحسابهم!
ثم كيف ينكر مسلم أن أول شيء فعله صلى الله عليه وسلم في المدينة هو أن وضع وثيقة ودستوراً يحكم العلاقة بين أفراد الدولة التي أقامها سواء من المسلمين أو اليهود أو غيرهم، وقد جاء في ديباجة هذا الدستور أو هذه الوثيقة أو هذه الصحيفة"هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم بالحق ولحق بهم"، وجاء بهذه الوثيقة عن اليهود أن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وقد حدد هذا الكتاب حدود الدولة وسماها النبي بحرم المدينة.
وهذا الكتاب يقع في 47 مادة أو بنداً فما حكم من أنكره؟ لقد حصر الدكتور محمد حميد الله الوثائق السياسية في عهد صلى الله عليه وسلم فبلغت 244 وثيقة، منها هذا الدستور وصلح الحديبية، الذي تضمن وضع الحرب 10 سنين والذي جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة الفتح، فهل هذه ليست دليلاً على الدولة؟ وهل المشورة في الحروب التي قادها صلى الله عليه وسلم ليست إلا لجاناً من أولي الأمر ولا تدل على وجود دولة؟ ولم يقم بها الرسول الكريم، كما يدعي الدكتور خلف الله؟
وإذا كانت مشورة النبي في الحروب"ليست دليلاً على الدولة وخصوصاً عندما تكون هذه اللجان من أولي الأمر إلى جانب النبي"، وهو ما ادعاه الدكتور خلف الله. فمن هم أولو الأمر الذين شكلوا هذه اللجان بجانب صلى الله عليه وسلم ؟
وإذا قلنا ذلك نكون محرفين للنصوص أو لم نفهمها فهماً دقيقاً ونكون قد قلنا الباطل؟
وإلى من يتوجه الخطاب في قول الله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) (5) ، لقد نزل هذا على النبي في عصره فهل التحاكم في هذا النص وغيره موجه إلى أفراد ليس لهم سلطان الدولة التي تحتكم إليها وإلى مؤسساتها الدستورية؛ لأن القرآن لا يحكم هو بين الناس بل يحكم به الحكام ومن يسندون إليهم هذا الأمر من القضاة والأمراء؟ العالم في أي جانب من الجوانب الكونية إذا ما حمل بين جوانحه قلباً مؤمناً بالدين، يستحيل ألا يزداد إيمانه؛ لأن علمه بأسرار الكائنات هو في الوقت نفسه علم بعظمة من خلق تلك الكائنات، وبدأها وسواها وأجراها على سنن منظومة، هي التي يكشف عنها العلماء ويطلقون عليها اسم"القوانين العلمية"."ومن أبرز الفوارق بينهما، أي الدين والعلم، مما لابد أن نكون على وعي شديد به. هو أن مبادئ الدين ثابتة عند المؤمنين بهذا الدين؛ لأنها معايير يقاس بها السلوك، ولابد للمعيار أن يحتفظ بمعنى واحد، وإلا فقد معياريته، وأما العلم فهو متغير مع تقدمه في تعاقب العصور..".
ج-وفي مقاله المنشور في الأهرام والوطن يوم 5/4/88 يقول: العقيدة مدارها التوحيد والقيم الضابطة للسلوك، ويرجع في ذلك إلى الأصلين، القرآن الكريم وسنة صلى الله عليه وسلم إذا ما أشكل أمر لم يرد عنه نص في هذين الأصلين، فمرجع المسلم فيه العقل، ولا فرق بين أن نقول إنه العقل أو إنه إجماع الرأي عند الثقات. والنضج العقلي يكون بالقدرة على تمثيل المبادئ التي نزل بها دين الإسلام، والتزامها في استدلالاته العقلية بعد ذلك، كلما أراد لنفسه هداية في دنيا السلوك"."
لا ينكر أحد أن الرسل يحكمون؛ لقول الله تعالى:
(1) … ص (26) .
(2) … الأنفال (39) .
(3) … الأنفال (41) .
(4) … الأنفال (67) .
(5) … النساء (60) .
(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباد لي من دون الله) (1) ويقول الله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (2) وإن كان فهمي هذا باطلاً مع أنه إجماع فقهاء الأمة فمن من الفقهاء فهم مثل فهم الدكتور خلف الله وادعى أن مصلحة الناس تقدم على النص وهو القرآن أو السنة أم أن الإجماع أن المصلحة تقدم إذا لم تتعارض مع القرآن أو السنة (3) .