فهرس الكتاب
والذي يعرفه الجميع أن تلك التحولات الجديدة حصلت في كثير من أنحاء العالم العربي بالفعل، لكن السؤال المهم على أي أساس ينظم المجتمع المنشود. وعلى أي أساس يقوم الاجتهاد النقدي؟! لقد جربت الأمة العديد من المناهج الكثيرة من قومية واشتراكية ورأسمالية وما زالت تدور في حلقة مفرغة ويبقى أن تجرب الإسلام الفعال الإسلام الحق القائم على الشورى. لا الإسلام الانتقالي الذي يريده (الجابري) وأمثاله.. ومما يؤسف له أن الجابري نسي أو تناسى جوابه عن الطريقة المعقولة للوحدة العربية في مقابلة معه في صحيفة القبس الكويتية العدد (5884) الصادر في 29/9/1988م حينما قال: (والوحدة في أية حال لا يمكن أن تتم أو تكون دون ديمقراطية، ودون تراضي الدول العربية المرشحة لأن تتحد إما كمجموعات إقليمية أو كوطن عربي ككل. لا طريق آخر للوحدة العربية إلا طريق التراضي الديمقراطي بين هذه الدول، إلى أن يقول.. وبالتالي ستكون الوحدة عبارة عن مراحل وتعاون متدرج وليس وحدة شاملة من خارج المحيط..) أي دعوى تلك التي زعمها في رأيه بأزمة الخليج وقد قال ما قال وناقض رأيه السابق في الموضوع بلا مبرر معقول؟
حقاً إن الجابري لم يقدم إضافة مفيدة ولكنه خسر نفسه كمفكر) انتهى كلام الأستاذ أحمد أبو عامر -وفقه الله-.
وقال الأستاذ عبد العزيز الوهيبي في مقال له بعنوان (قراءة في فكر الدكتور محمد عابد الجابري) نشره في مجلة البيان (العدد 71) : (هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض.. عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته، ومفاهيمه، وتصوراته ورؤآه… ؟ !
ثم لماذا لم تتطور أدوات المعرفة (مفاهيم، مناهج، رؤى..) في الثقافة العربية (الإسلامية) خلال نهضتها في (القرون الوسطى) إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكرية وعلمية مطردة التقدم، على غرار ما حدث في أوربا ابتداءً من القرن الخامس عشر (الميلادي) ؟!
(1) … الرياض العدد 8224 زاوية لقاء .
تلك هي الإشكالية التي شغلت ذهن المفكر المغربي د/ محمد عابد الجابري، ودفعته إلى إصدار دراساته المتنوعة حول كثير من قضايا الفكر الإسلامي التي منها: (نحن والتراث) صدر عام 1980هـ و (الخطاب العربي المعاصر) صدر عام 1982م و (نقد العقل العربي) الذي بدأ صدور أجزائه عام 1986م. ولعل أهم هذه الدراسات وأكثرها ثراءً: الدراسة الأخيرة التي جاءت في ثلاثة أجزاء، كان الأول منها عن (تكوين العقل العربي) ، والجزء الثاني عن (بنية العقل العربي) والجزء الثالث عن (العقل السياسي) .
والجزء الأول والثاني، أكثر أهمية في نظري من الجزء الثالث الذي درس نشأة الدولة في الإسلام، وتطورها… وحاول المؤلف فيه إبراز ما أسماه المحددات التي بقيت تحكم هذه الدولة في مختلف مراحل سيرتها الطويلة، هذه المحددات حصرها المؤلف من وجهة نظره في ثلاثة جوانب لا تتجاوزها وهي: العقيدة، والقبيلة، والغنيمة… وأحسب أنه لا يزال في هذا الموضوع العقل السياسي زيادة لمستزيد ولم يكن تناول المؤلف لهذا الموضوع كافياً ولا شافياً.
لاحظ الجابري، عندما درس (بينة العقل العربي) أن التصنيف الشائع القديم للعلوم الإسلامية بتقسيمها إلى علوم نقلية وأخرى عقلية، أو علوم دين وعلوم لغة، أو علوم العرب وعلوم العجم، لاحظ أن هذه التصنيفات لا تقوم إلا على اعتبار المظاهر الخارجية وحدها، والتي تذكرنا بالتصنيف القديم للحيوانات حسب مظاهرها الخارجية وحدها: إلى حيوانات برية ومائية وبرمائية، لكننا بحاجة إلى تصنيف جديد للعلوم الإسلامية كما ظهر التصنيف الجديد للحيوانات إلى فقريات ولا فقريات؛ الأمر الذي فتح أمام علم البيولوجيا آفاقاً جديدة خصبة وعميقة.
لقد كان عمل الجابري في هذا البحث (نقد العقل العربي) محاولة للكشف عن هذا التصنيف الجديد، محاولة لدراسة البنية الداخلية للفكر الإسلامي، وإعادة التصنيف على أساس لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة: آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية.
من هذا المنطلق جاء التقسيم الجديد عند المؤلف للعلوم الإسلامية وتيارات التفكير الإسلامي إلى ثلاثة علوم أساسية هي:
علوم البيان: وتشمل الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلوم اللغة.
علوم البرهان: وتشمل الفلسفة وخصوصاً فلسفة أرسطو !
علوم العرفان: وتشمل التشيع والتصوف والفلسفة الإشراقية.