فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 27364

هذه القصة الرمزية باختصار هي مادة فيلم الرسوم المتحركة (حياة حشرة) الذي قامت بإنتاجه والت ديزني، ولو أن شركة أخرى سواها أخرجته لم يكن هناك مسوِّغ لتكلف البحث وتدقيق النظر في الرسالة التي يعرضها الفيلم خارج إطار التسلية والترفيه، غير أن استبدال هذه الرموز في الفيلم بما يقابلها في العقلية اليهودية، متصلًا بالواقع المحيط بدولة (إسرائيل) يحدد معالم الصورة الكاملة، فقرية النمل اختيرت بعناية ودقة متناهية لتمثل دولة (إسرائيل) بديمقراطيتها المزعومة، وكفاحها، وحبها للسلام، ورغبتها في الأمن. أما ذلك السرب الهمجي من جراد الصحراء الأشرار فتصوير للعرب المحيطين بها. وتظهر نفسية اليهود وغطرستهم وتعاليهم حتى مع من يقدم لهم يد العون في تصوير المنقذ الغربي بفريق من المهرجين المخفقين الحمقى الذين لم يعد دورهم في مواجهة العرب دور الفزاعة التي تخيف الغربان في حقل الذرة الكبير، إلى أن ظهر الحليف الاستراتيجي الجديد بقوة على مسرح الأحداث.

بهذه النظرة الكلية يمكننا رسم الإطار العام للفيلم، وإذا خضنا في تفاصيله الدقيقة فالمجال واسع، والآراء تتباين، والحديث عنه أكثر اتساعًا، فلربما كانت تلك العجوز الشمطاء الحكيمة في قرية النمل رمزًا لدور امرأة حقيقية في تاريخ اليهود على غرار «جولدا مائير» ، ولربما كان قائد الجراد الأشرار رمزًا لأحد رموز النكسة العربية من الثوريين العرب الذين يمتلئ بهم تاريخ الصراع قديمًا وحديثًا، مع اعتقادي أن الفيلم أهمل نوعًا آخر من الجراد هو ذلك الجراد المهجن الذي انضم إلى فرقة الإنقاذ مؤخرًا بعد أن أخذ على عاتقه حماية قرية النمل تلك من إرهاب أبناء جنسه!!

أما ذلك الشاب المخترع في الفيلم الذي أنقذ بني قومه؛ فشخصية حقيقية في تاريخ اليهود يُكِنُّ لها الصهاينة اليوم الإعجاب والتقدير ـ كما سيأتي ـ. وهكذا يتم استبدال الرموز واحدًا تلو الآخر وفق دراسة دقيقة، بأسلوب ماكر، وبتوجيه غير مباشر لتكتمل معه الرسالة المطلوبة. ويكفي أن يدرك المشاهد الصغير ـ في هذه المرحلة ـ أن هناك قرية مسالمة تتعرض للاضطهاد والظلم والاعتداء من قِبَل جيرانها الأشرار، أيًا كانت هذه القرية، ومهما كانت هوية أولئك الأشرار سواء أكانوا جرادًا صحراويًا كما تُصورهم ديزني لمشاهديها الصغار، أو كانوا عربًا مسلمين إرهابيين كما تُصورهم لمشاهديها الكبار.

إنه غزو حديث ومطوّر هذه المرة، وحملة إعلامية جديدة تكمن الخطورة فيها من خلال جهلنا برسالتها الحقيقية الغامضة؛ وفي أننا نقتنيها بأموالنا، ونحتفي بها في أسواقنا لنفسد بها عقول أبنائنا وبناتنا!!

ومسلسل الصراع الدامي بيننا وبين اليهود قديم قِدم التاريخ، ومتجدد تجدد المستقبل، فأمة اليهود أمة ملعونة في القرآن، ناقضة للعهود، ولا تعرف للسلم معنى، وتسعى في الأرض فسادًا. كما أنهم ـ كعادة الشعوب المستضعفة إذا تمكنت ـ لا يعرفون للرحمة معنى في تعاملهم مع من هم أقل منهم قوة وعتادًا، ويرتفع رصيد التأييد لقادتهم بدرجة الغطرسة والقهر والمجازر التي يسوم المستضعفين بها، والوعود الآثمة بسلب الحقوق، ونقض العهود، والقضاء على الشعب الأعزل. وما يحدث على أرض فلسطين المسلمة خير شاهد على ذلك؛ حتى أولئك الذين يسارعون فيهم خوفًا وطمعًا، ويقدمون لهم الولاء، ويعلنون أنهم الحريصون على أمنهم واستقرارهم؛ لم يسلموا من التحرش ومن البطش والنكال.

هكذا إذن بدت التفاصيل أمامي وأنا أستعرض هذا الفيلم الذي اشتراه أحد الزملاء، ورغبت في تقييمه قبل أن يتوجه به إلى المنزل ويقرر عرضه على طفله الصغير. ولربما كانت (عقدة المؤامرة) هي المخرج الذي يَسِمُ به البعض هذه الاستنتاجات الواعية وأمثالها، والتي تتولى الربط بين حقيقة المواجهة مع العدو والمنتجات الإعلامية والثقافية والفكرية التي يقدمها، والسبب كامن في النظرة السطحية الشفافة التي ينظر هؤلاء من خلالها إلى ما يُقدم إليهم بغضِّ النظر عن هويته وأهدافه.

ولم أشأ أن أسترسل في مشاهدة بقية أفلام الأطفال التي أصدرتها هذه الشركة لإثبات هويتها اليهودية، وكشف الرسالة الصهيونية التي تحملها؛ لعلمي بمدى الحاجة إلى عمل مؤسسي إعلامي فاعل يُعنى بمثل هذه الدراسات الناقدة، ويتولى مهمة كشفها، والرد المناسب عليها، كما يسعى إلى الحد من تداولها، وتوجيه المسلمين لمقاطعتها؛ حفاظًا على عقول الناشئة، وصيانة لمناهج التربية في عالمنا الإسلامي.

تلك كانت القناعة الأولى قبل أشهر من اطلاعي على دعاية أخرى بثتها شركة والت ديزني باللغة العربية، في هذا الإعلان ذكرت الشركة عزمها على توزيع كميات كبيرة من النسخ المجانية في مصر لفيلمها الكرتوني المدبلج الجديد (الديناصور) ، والعديد من الأفلام الأخرى، إضافة إلى تقديم عروض مجانية لهذا الفيلم في السينما المصرية خاصة. ولعلمي بهوية الشركة تساءلت حينها: لماذا هذا الفيلم خصوصًا؟ ولماذا تم اختيار هذا القطر العزيز على قلوب المسلمين خاصة؟ حتى توافر لي ـ بعد الطلب ـ نسخة من الفيلم، ومعه كانت التجربة الموضوعية الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت