فهرس الكتاب

الصفحة 21026 من 27364

أما التعامل مع المجتمع على أنه متدين أصلاً، وأن المسألة هي مجرد تحول في الدرجة، وأن خطاب الداعية لا يرمي إلا إلى تقديم مادة دينية استكمالية لهذا المجتمع القائم فهذا حديث مزيف عن الإسلام، وحديث يتوافق تماماً مع الرؤية البراجماتية للدين، فالبراجماتية تنظر إلى الدين مثله مثل أي شيء آخر بمنظور ما يمكن أن يحققه من مصلحة عند تجريبه عملياً، من ثم فهي تنشد منه ذلك الدور التخديري الذي يؤدي إلى إكساب المستعينين به الطمأنينة والسكينة التي يحتاجون إليها لاستكمال حياتهم التي تمضي إلى أي اتجاه.

وهذا تحديداً ما يفسر التفاف الطبقات الغنية والمتنفذة ورواد النوادي الأرستقراطية والبرجوازية حول عمرو خالد لأن تلك الطبقات التي تغلغلت فيها بوجه خاص المفاهيم البراجماتية الأمريكية تحتاج إلى الجمع بين مكتسباتها وبين الطمأنة بأن مخالفاتها الأخلاقية لن تفضي بها إلى الجحيم، فيمكنها بذلك بحسب ما تتوهم أو تريد أن تتوهم الجمع بين نعيمها الدنيوي والنعيم الأخروي المنشود.

إذن المسألة ليست مسألة عمرو خالد فقط، ولا أقول أن المسألة تتعلق بجمع كبير من المخدوعين لأن هذه المواقف والأحداث قد غدت أكبر من أن تتجاهل، وأن تكون قادرة على إيقاظ أشد المستغرقين في الغفلة.

والواقع نفسه يؤكد ذلك فأنا رجل - كما يعرف القريبون مني - أعيش بين الناس، وأتابع بدقة اهتماماتهم، وحين استرعتني ظاهرة عمرو خالد في أول أمرها سألت أصدقائي من باعة أشرطة الكاسيت والسيديهات عن مدي توزيع أعمال عمرو خالد فقالوا لي:

-أنه في مقابل مائة شريط أو سي دي يباع لعمرو خالد يباع خمسة أشرطة أو سيديهات لكل الدعاة الآخرين معاً.

ولكن قبل كتابة هذا المقال مباشرة عدت فسألت أصدقائي من الباعة نفس السؤال فكانت إجابتهم كالتالي:

-لا شيء على الإطلاق.

قلت: ما الذي يعنيه هذا الكلام، هل غدت نسبته في البيع أقل من بعض الشيوخ؟

قالوا: ولا حتى عكس النسبة السابقة.

قلت: أتريدون أن تقولوا لي أن الناس انتبهوا للخديعة؟

فقال لي أحدهم: لقد أدركت الناس أنه يقدم ديناً جديداً ليس الإسلام وإنما الاستسلام للهوى.

أما أغرب ما قيل لي في هذا الصدد فهو:

-إن أشرطته تباع الآن في الجملة بنصف ثمن الأشرطة الأخرى.

إذن المسألة الآن لا تتعلق بمسألة خديعة يقع فيها الجماهير، أما القول بأن صاحب الشأن نفسه مسكين مخدوع بعد كل الذي ذكرناه فهي مسألة تغدو خارجة عن المنطق القابل للمناقشة.

إن المسألة هي مسألة طبقة تغلغلت فيها المفاهيم البراجماتية الأمريكية منذ أواسط التسعينات، طبقة تعلمت كيف تتعامل مع كل الأمور بما يجلب لها المصلحة والمنفعة حتى مع الدين نفسه، ولذلك فهي تتعامل مع الإسلام على أساس تحديد مصالحها أولاً، ثم قبول الإسلام بالطريقة التي تتكيف بها مع هذه المصالح، وهذه الطبقة كان لابد أن تجد لها غطاء شرعياً ولو ظاهرياً يمكنها أن تتستر وراءه، ومن الطبيعي أن تجد بغيتها في أمثال عمرو خالد.

أما المسألة برمتها (عمرو خالد وأتباعه) فإنها تتمثل تماماً في النموذج الأمريكي المنشود للإسلام الليبرالي الذي يجب أن يسود في المنطقة، ويجب أن يكافأ أصحابه بأعلى الجوائز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت