فهرس الكتاب

الصفحة 21129 من 27364

ونأتي إلى قوله في الفقرة السالفة:"أن يختار الشعب حكّامه كما يريد... إلخ"أي شعب يقصد الشيخ؟ الشعوب كثيرة جداً. كما أنّ الشعب ليس بالضرورة أن يكون أهل قطر معين، حسب المتعارف عليه في هذه الأيام.

الشعب في لغة العرب، هو القبيلة العظيمة في أحد معانيها. وبناءً عليه، ليس مفهوم الشعب في حقيقته ينطبق على قولنا مثلاً: الشعب المصري، الشعب العراقي... إلخ. لأننا قد نجد في قطر واحد من هذه الأقطار [2] شعوباً متعددة، ذات ألسنة مختلفة وديانات مختلفة أيضا. كما قد نجد شعبا واحدا تتقاسمه أقطار متعددة، كالشعب الكردي مثلا. وإذا جاز لكل شعب مسلم أن يختار حاكمه كما يريد، فلماذا لا يجوز نفس الشيء لكل قبيلة على حدة، ليصبح حكام المسلمين بالمئات بدل العشرات؟

إننا عندما نخرج عن مفهوم الشرع للأمة، ونتكلم بغير لغة العلم، مقلدين الغرب، متأثرين بالأمر الواقع، نَضِلّ ونُضِلّ. فلْنعُد إلى ديننا، ولغة قرآننا (إنّ هذه أُمّتُكم اُمّة واحدةً وأنا ربُّكم فاعبدون) ، وهي الأمة القائمة على الدين وحده، لا يضرها أن تنصهر في بوتقتها وتحت رايتها شعوب وقبائل، مهما اختلفت لغاتهم وعاداتهم وطبائعهم، كما لا يضرها أيضا تفرّق المؤمنين بها في أرض الله الواسعة.

هذا هو الإطار الصحيح الذي يجب أن يكون مناط البحث والتحليل، لا أن نقبل بواقع مخزٍ سخيف، ثم نسعى لترويض الشرع الحنيف، ليّا لأعناق النصوص لعلّها تطاوع الأهواء.

إنّ الدكتور يعلم جيدا أنّ الحاكم في الإسلام، لا ينصّب حسب ما تنصّ عليه مبادئ الديمقراطية وأخلاقها، ولا يُعزل حسب آليات الديمقراطية ولعبتها، إنما الأمر جد مختلف، ولا وجه للشبه بينهما البتة.. ناهيك عن رفض الإسلام لتعدد الحكام في زمان واحد، لما في ذلك من تمزيق وتقزيم للمسلمين.. وفي الحديث عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"إذا بُويِعَ لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" ( ) .

ثم قال (الشيخ) :"وان يرفض أوامرهم (يعني الحكام) إذا خالفوا دستور الأمة"ومرة أخرى، نستطيع أن نتساءل: أي أمة يعني الشيخ، فالأمة الإسلامية، صارت أمما، ولكل"أمة"فرعية دستور قابل للتجديد، مطاوع للتعديل.. دساتير ودساتير، وكلها في واد، والإسلام في واد آخر.. فهل يضبط الشيخ لغته ومصطلحاته ضبطا شرعيا مطهّرا من رواسب وآثار الأفكار الغازية؟

وقد يقول الدكتور، أو أحد ممن ينتصرون له بغير الحق، إن الدستور الذي يقصد هو الكتاب والسنّة، والأمة التي يقصدها هي أمة الإسلام..

وأقول: لا، لأن اللغة والمصطلحات، مع الواقع والخلفيات، والإطار العام الموضوع للبحث منذ البداية، كل ذلك لا يصب في البحث الشرعي الذي يسمي الأشياء بأسمائها، ويضع الأمور في مواضعها، دون الحاجة إلى اللجوء إلى كلمات تحتمل وتحتمل... فإنّ ذاك رأس التلبيس، وأسّ التّدليس.. أعاذنا الله جميعا من سيئة التميع.. ومهلك التنطع.

بل هناك ما يفيد قطعا أنه لا يريد بالدستور ما أنزل الله، إنما يريد ما شرعه العباد.. وهو قوله:"إنّ الدستور ينصّ ـ مع التمسك بالديمقراطية ـ على أنّ دين الدولة هو الإسلام، وأنّ الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين".

ولست أدري أهو دفاع عن الدستور المصري، أم عن كل الدساتير في كل البلاد الإسلامية، إذ كلها لا تتنكّر صراحة لإسلامية الدولة، حتى ولو لم يكن في الدولة إسلام البتّة.

وعلى كل حال، فهي جملة فيها الشيء ونقيضه: النص على أنّ دين الدولة هو الإسلام ـ ولست أدري عن أي دولة يتحدث بالتحديد ـ مع التمسك بالديمقراطية، وعلى أسوء حال.

ولنتجاوز جدلا هذا التناقض البليغ، ولنسأل الشيخ عن تلك القوانين الصادرة في مصر وغيرها عن الشريعة الإسلامية، أهي قوانين الربا المعمول بها بشكل عام ومنتظم في كل المؤسسات المالية والمصرفية والتجارية والإستثمارية في الداخل والخارج؟ أم قوانين الجنايات التي لا تعرف حدّا واحدا من حدود الله تعالى، ولا قصاصا واحدا مما كتبه الله سبحانه؟ أهي قوانين الجندية والتجنيد المنظمة لأولوية الجهاد في سبيل الله، وضرب الجزية والخراج على أهل الكتاب وأشباههم، كما أمر الله؟ أم قوانين التجارة والصناعة التي تمنع تصنيع ما حرم الله جل جلاله والمتاجرة فيه؟ وغيرها من قوانين الصحافة والإعلام والإدارة والمؤسسات، وما إلى ذلك وفق المنظور الشرعي؟

وإني لا أتحدّث في دائرة الإجتهاد، بل في نطاق كليات الدين وثوابته.. أتُرى هذه القوانين الكفرية صادرة عن الكتاب والسنّة؟ أم على الله تفترون؟

فيا أيها الشيخ! ها أنت تجادل عن الدساتير والقوانين الوضعية الوضيعة وعن أهلها من القوميين والبعثيين والجمهوريين.. وها أنت خصيم لهم في الدنيا وهم خائنون لدين الله تعالى، فمن يجادل عنهم جميعا يوم القيامة؟ (هأنتم هؤلاءِ جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمَن يجادلُ اللهَ عنهم يوم القيامة أم مَن يكونُ عليهم وكيلا) ، (ولا تكن للخائنين خَصيما) .

ولو تأمل الشيخ قليلا في عبارة كتبها بخط يده، لأدرك أنه يهدم الديمقراطية هدما تامّا، وهي قوله:"ويمكن إضافة مادة في الدستور صريحة واضحة: إنّ كل قانون أو نظام يخالف قطعيات الشرع فهو باطل"قلت: والديمقراطية تخالف قطعيات الشرع، وأصوله وفروعه.. فهي باطلة.

الديمقراطية شكل للحكم، ولكن...

قال الشيخ القرضاوي في فقرة أخرى:"المسلم الذي يدعو إلى الديمقراطية إنما يدعو إليها باعتبارها شكلا للحكم"أقول: إنّ المسلم لا يدعو إلى غير الإسلام، والديمقراطية غير الإسلام.. واسألوا أي ديمقراطي غربي، نصراني أو يهودي أو غيرهما، فسيؤكدون لكم أنهم لا يقصدون حرفا واحدا من الإسلام، وهم يتكلمون بالديمقراطية أو يتعاملون بها، على توالي الأيام.

ثم متى ترك لنا ديننا اختيار أشكال الحكم من أعدائنا؟ أوليس الإسلام نظام حكم ومنهاج حياة؟ أين نظام الخلافة، ونظام الشورى، ونظام البيعة، ونظام الحسبة، ونظام الزكاة، ونظام الجهاد؟ وكل ديننا نظام في نظام في نظام..

أهكذا يراد لنا في آخر زمامننا أن نمارس وظيفة السؤال والتّسوّل من أجل قيام دولتنا؟

إنّ الذين يدعون إلى الديمقراطية من المسلمين، إن صحّ أنهم مسلمون، كان عليهم أن يوفّروا جهودهم لتوظيفها في الدعوة إلى الله، لا إلى نِحل أعداء الله.. وعَلامَ تدعون إلى الديمقراطية؟ فهي موجودة في كل مكان.

ولا يقولنّ قائل، إنّ الموجود هو مسخ للديمقراطية، وتشويه لها، ولا سيما في البلاد العربية والإسلامية، ذلك لأن الديمقراطية هي نسيج المسخ والتشويه، ولو كانت في قلب البيت الأبيض..

فهي مسخ لإنسانية الإنسان، وتشويه لكرامته وشرفه.. وإلا دُلّوني على مجتمع ديمقراطي واحد، لا تُحمى فيه الدّعارة والخمر والربا وغيرها.. وهو الفساد الكبير لعِرض الإنسان وعقله وماله.. فضلا عن دينه وعقيدته.

وأظن أنّ الدكتور غابت عنه تماماً كل أسس الديمقراطية الجوهرية، حتى إنه لم يعد يميز نهائيا بينها وبين الإسلام، ولا يرى أي تناقض بينهما حيث قال:"لا يلزم إذن من الدعوة الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلا عن حكم الله، إذ لا تناقض بينهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت