ولكن البعد الثقافي لتلك المواجهة كان غائباً، وكأن هذا هو السبب بالتحديد في فشل مشروع النهضة بعد رحيل الاستعمار، بل الوصول إلى طريق مسدود أهدر كل المكاسب التي تحققت في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية للمواجهة، بل أقسى من ذلك وأمر أصبحنا مهددين بعودة الاستعمار بجيوشه وأساطيله كالمسابق وبآليات أكثر تعقيداً وأكثر كفاءة.
إن البعد الثقافي للمواجهة كان يعني ضرورة تصفية الرواسب الثقافية الاستعمارية حكومياً وشعبياً، لأن هذا البعد الثقافي مرتبط بتحطيم أو بناء المكونات العقدية والفكرية والحضارية والأنماط المعيشية والإنتاجية وأشكال العلاقات الجماعية والفردية وتحطيمها يعني هدم القلعة من الداخل ومسخ الشخصية وجعلها في حالة عدم قدرة على الصمود والمواجهة فضلاً عن تحقيق مشروع النهضة، أما بناؤها بصورة صحيحة فيعني التماسك الفردي والجماعي، والقدرة على المواجهة ـ والقدرة على تحقيق الذات الحضارية وتحقيق مشروع النهضة بالتالي.
التغريب أدّى إلى الاستبداد
ما حدث بسبب التغريب يمكن أن نشبّهه بنوع من الانفصال الشبكي بين الشعوب والنخبة الحاكمة، فأصبحت الشعوب بمعزل حقيقي عن عملية النهضة ولم تستطع النخبة السياسية أو الفكرية بحكم محدوديّتها أن تنجز عملية النهضة. إن الشعوب كانت وما زالت تحمل الوجدان الإسلامي، كانت وما زالت معبأة بالتراث ومفعمة بالعقيدة، ولا يمكن القضاء على هذا الوجدان أو طريقة التفكير بسهولة، وبالتالي فإن فرض مشروع نهضوي غير قائم على وجدان الجماهير وعقيدتها وحسّها الثقافي وتراثها التاريخي يجعل تلك الجماهير لا تفهم هذا المشروع، ولا تتحمس له أو ترفضه وتعاديه أو يحدث لها نوع من ازدواج الشخصية أو انفصامها، وبالتالي يعود إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا تجعل مشروع النهضة في مهب الريح، وإذا كانت النخبة المغتربة جادة في محاولة تحقيق نهضة على أساس تغريبي فإن رفض الجماهير لهذا المشروع النهضوي التغريبي أو عدم حماسها له يجعل تلك النخبة تحاول أن تجبر الجماهير على الانخراط والحماس في هذا المشروع، وبما أن التركيبة الثقافية والوجدانية للجماهير لا تستجيب للتحريض الإعلامي النخبوي بهذا الصدد، فإن النخبة الحاكمة تجد نفسها لاجئة في النهاية إلى قمع الجماهير والاستبداد بها وإجبارها بالقهر على الانخراط في هذا المشروع وبالطبع تبدأ المسألة من هذه الزاوية وتنتهي إلى أن يصبح الاستبداد والقهر سمة أساسية للحكم التغريبي، بمعنى أن يصبح للاستبداد لبنته الخاصة والذاتية حتى بصرف النظر عن مشروع النهضة التغريبي أي أن التغريب يوجد الاستبداد خلقاً.
كلمة في مسألة العلوم الطبيعية
من الأشياء التي يتشدق بها دعاة مشروع النهضة التغريبي، أنهم يستهدفون الحصول على العلوم الطبيعية أو التقنية من خلال مشروعهم التغريبي المرتبط بالمنهج التغريبي في النهضة والمنفتح على الحضارة الأوروبية التي أنجزت تقدماً علمياً باهراً.
وينبغي هنا أن نضع الكثير من النقاط فوق الكثير من الحروف في هذه القضية الخطيرة.
ينبغي أن نعرف أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى قسمين، قسم خاص بالحقائق العلمية، والمكتشفات العلمية، وقسم خاص بتوجيه هذه العلوم في اتجاه معين، أي لإنتاج سلعة ضرورية أو كمالية مثلاً، للقضاء على مرض أو لنشر مرض، أي لإنتاج أدوات تسعد الإنسان وتساهم في راحته أو لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، لإصلاح البيئة والمحافظة عليها أو لتخريبها وتلويثها.
أي أن هناك شقاً علمياً وشقاً قيمياً، والشق العلمي تراث إنساني يجب الاستفادة به وليس تراثاً أوروبياً، ولكن الشق القيمي للمسألة أي توجيه العلوم في اتجاه معين تراث حضاري أي خاص بتوجه وقيم كل حضارة، والحضارة الإسلامية مثلاً عندما كانت متقدمة علمياً كانت توجه هذه العلوم لإسعاد الإنسان وتلبية حاجات كل البشر، بل وكانت تسعى سعياً لنشر العلوم ولا تحجبها عن الآخرين، لأن حبس العلم جريمة في الشريعة الإسلامية الغراء، أما الحضارة الأخرى ولظلمها، حجبت هذا العلم عن الشعوب الأخرى، بل وأصدرت القوانين التي تجرّم حصول الآخرين على تلك العلوم مثل قضية الدكتور مهندس عبد القادر حلمي مثلاً، بل وتغتال العلماء في البلاد الأخرى حتى لا تحدث نهضة علمية فيها كاغتيال الدكتور المشد مثلاً"."
إذاً فالعلم كحقائق ومعرفة تراث إنساني ساهمت فيه كل الحضارات والمجتمعات بل إن النهضة العلمية الأوروبية الحديثة استفادت من العلوم والمعارف الإسلامية في تحقيق تقدمها المعاصر، وبالتالي فإن الحصول على العلوم واكتسابها ليس قاصراً على المشروع النهضوي التغريبي، بل العكس هو الصحيح؛ فالحصول على العلم هدف أي مشروع نهضوي إسلامي، أما الشق القيمي في العلوم فهذا أمر مرفوض، أي الشق المرتبط بكيفية استخدام هذه العلوم.