فهرس الكتاب
(3) كان هم المستعمر الأول منذ وطئت قدماه أرض الوطن الإسلامي أن يعمل على تأصيل احتلاله، وتنفيذ مآربه ومخططاته في الحيلولة النهائية بين المسلمين والعودة إلى الدين من جديد، ولذلك فكر في وضع عقبات يصعب أو يستحيل إزالتها مع الزمان، تكون هذه العقبات حائلاً بين المسلمين والعودة إلى دينهم، وكان أعظم ما توصل إليه في ذلك، هو استبدال التشريع الإسلامي والقوانين الإسلامية، بدساتير وقوانين منقولة من دساتير وقوانين الكفار، وبذلك أقصيت الشريعة عن الحكم، وأعطيت مهمة التشريع لسلطة الحاكم الفرد، أو الحزب الحاكم، أو المجالس النيابية ولم تقيد سلطة التشريع هذه بكتاب أو سنة أو بمصادر التشريع الإسلامية فقط بل جعل التشريع من أي مصدر كان يستوي في هذا القرآن أو الإنجيل والتوراة أو القانون الإنجليزي والفرنسي، أو العرف والعادة أو أي مصدر من مصادر التشريع فالقرآن والسنة ليسا أكثر من مصدر من هذه المصادر لأفضل لهما على غيره. ومعلوم أن هذا هو الكفر بعينه لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (النساء:65) ، ولقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} (المائدة:49) ، ولقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} (البقرة:85) الآية.
(4) نظام اقتصادي يقوم على غير الإسلام، فإما نظام رأسمالي يبيح الربا، والامتيازات، ويسيء توزيع الثروة، ويقسم الناس إلى طبقات متفاوتة، وإما نظام شيوعي اشتراكي يهدر الطاقات، ويهدم الحافز، ويقتل كل إبداع، ويحرم الفرد من أهم حرياته وغاية وجوده.
(5) نظام تربوي يخرج أشباه المتعلمين ممن يتكلمون كثيراً ولا يفقهون إلا قليلاً، وممن يحملون شهادات عليا ولكن لا يمكن الاعتماد عليهم في دين أو دنيا وهكذا تعتمد البلاد الإسلامية اليوم في كل ميادين حياتها على خبراء من غير المسلمين حتى في النظافة والقضاء على الفئران والحشرات ناهيك بالبناء والصناعة والطرق، والحرب.. الخ.
(6) ازدواجية كاملة في الحياة حيث تعليم ديني ولا ديني، وقضاء شرعي، وقضاء مدني إسلام وكفر، ومطالبة بالشريعة، وعداء للشريعة، هذا إلى تخبط سياسي واقتصادي وتربوي واجتماعي لا مثيل له في كل دول العالم التي نجد فيها نسبة ما من التجانس والتقارب إلا في العالم الإسلامي حيث الاختلاف هو اختلاف الضد مع الضد.
هذا هو باختصار شديد الواقع الجديد الذي آلت إليه حال الأمة بعد سقوط الخلافة. وقد نشأ تبعاً لذلك التفكير في كيفية العمل السياسي والدعوة إلى الله في مثل هذه الأوضاع.
سابعاً: اختلاف الدعاة اليوم حول المفهوم السياسي:
وعندما نشأت هذه الأوضاع الشاذة اختلف المسلمون في العمل السياسي اختلافاً بيناً وكان اختلافهم في بعض نواحيه راجعاً إلى الاختلاف حول الحكم على الحكومات القائمة والحكام الموجودين: هل هم مسلمون أو كفار؟ فمن رأى أنهم كفار أفتى بأنه لا يجوز موالاتهم، ونصرهم، وطاعتهم، وتولي الولايات (الوظائف) لهم، وطلب الإذن بالدعوة منهم بل رأى أنه يجب حربهم والقضاء عليهم، وأنه يجوز بل يجب الخروج عليهم، بل اشتط بعض الناس فرأى أن توثيقهم لعقود الزواج والطلاق باطل كذلك، وأن الصلاة في مساجدهم التي يعينون لها الأئمة غير جائزة، لأنه لا يجوز للكافر أن يتولى مساجد المسلمين، أو يشرف عليها.
وطائفة أخرى من علماء المسلمين ودعاتهم رأوا أن هؤلاء الحكام وإن كانوا يحكمون بغير ما أنزل الله فهم مسلمون يصلى وراءهم، ويطاع أمرهم في غير معصية، ويقاتل معهم، ولا يجوز الخروج عليهم، ويطلب إذنهم وسماحهم في الدعوة والجهاد، وكل عمل سياسي.. الخ.
والحق أن في هذه المسألة تفصيل وقد شرحنا هذا التفصيل في مواضع كثيرة من كتابنا"فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله"و"الدعوة إلى الله".
والمهم هنا التذكير بأن دعاة الإسلام يختلفون اليوم حول كيفية الدعوة إلى الله اختلافاً بيناً. فمع إيمان الجميع تقريباً أن الإسلام نظام شامل للحياة كلها، وأنه لا فرق فيه بين العبادة والسياسة والمعاملة والأخلاق، وأنه لا يجوز الفصل بين أحكامه، إلا أن كثيرين يرون من الحكمة ترك الاشتغال بالسياسة إلى أقوال أخرى لعلماء ومرشدين وقادة كلها تدعو إلى الانخراط في كل عمل يعز الأمة وينصرها، وأن الإسلام لا يوجد فيه الفرق بين الدين والسياسة، ولا الدين والمعاملة، ولا الدين والأخلاق والنظم والقوانين. فالدين جاء لتنظيم الحياة كلها، والدعوة إلى الله لا بد وأن تكون بالوسائل المكافئة لوسائل الأعداء.