فهرس الكتاب

الصفحة 21452 من 27364

فإذا جاز مثل ذلك في وقت ضعف من المسلمين فلا شك أنه جائز ما وجد هذا الضعف. ومعلوم ما آلت إليه حال المسلمين اليوم والتي أصبحوا يحتاجون معها إلى من يناصر دعوتهم، وقضيتهم، وإلى أي مظلة يحتمون بها، ويجتمعون تحتها، فإذا اتفق الناس -محقين أو مبطلين- أن كل أحد يجوز له أن يؤسس ما يشاء من تجمعات أو أحزاب أو جمعيات أو هيئات ليدعو إلى ما يريد، فلا شك أن المسلمين هم أولى الناس باقتناص هذه الفرصة، والاستفادة من هذه الفسحة، وسواء كان ذلك في ديار الإسلام أم في ديار الكفر. ولا شك أيضاً أن المؤسسات والهيئات الإسلامية التي أسست في ديار الكفر في أمريكا وأوروبا كانت ملجأ وملاذاً للمسلمين، وطريقاً لنشر الدعوة، ومحصناً للحفاظ على المغتربين. ولا شك أيضاً أن مثل هذا حصل للمسلمين. في عهد النبوة عندما لجأت طائفة منهم إلى بلاد الحبشة فراراً من ظلم قريش، وقد طلب الرسو صلى الله عليه وسلم بنفسه من النجاشي أن يضيف المسلمين ويقربهم، ويحسن جوارهم، وذلك حال كفر النجاشي، ثم دعاه الرسو صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم وكتم إسلامه عن قومه.. وقد كان المسلمون هناك مجتمعين على رئاسة جعفر بن أبي طالب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا من الأدلة على جواز إنشاء تجمعات في ديار الكفر حال ضعف المسلمين وعدم وجود خلافة إسلامية تجمع شملهم وكذلك علي جواز طلب اللجوء، والحماية من الكافر، فكيف إذا كان المسلم مضطهداً بوطنه وطالب بحقه الشرعي بأن يؤسس جماعة، أو ينشئ حزباً يقر بوجوده الحاكم والمحكوم ويزاول نشاطه في الدعوة إلى الله بحرية ودون مصادرة، ومطالبة وإرهاق.

ولا شك أن هذا حق مشروع لكل مسلم، وأن المطالبة بذلك من أي دولة وحكومة كانت مقرة بالإسلام أو غير مقرة هو عمل شرعي لا يجوز حوله الخلاف.

ومعلوم أن بديل الإذن العلني بتكوين حزب وجماعة للدعوة، وتجمع على البر والخير هو الدعوة السرية، ولا خيار عند المسلم إذا منع من الدعوة علناً أن يدعو إلى الله سراً، وأن يؤسس ما شاء من أحزاب أو جماعات للدعوة إلى الله لأنه مأمور بذلك، وحيث أن أهداف الدين لا تتحقق إلا من خلال جماعة وتعاون وتعاضد، ولذلك فالجماعة واجبة لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً.

والخلاصة في هذا الصدد: أن أخذ الترخيص لحزب إسلامي أو جماعة أو جمعية للدعوة إلى الله حق مشروع للمسلم، ولا يضير المسلم أن يطلب هذا الحق ممن تولوا مقاليد الأمور في الحكم على أي صفة كانوا مقرين بالإسلام أو غير مقرين به أو كفاراً أصليين، وأن الدعوة إلى الله سراً إنما هي بديل للدعوة العلنية، وأن اللجوء إليها إنما هو في حالات الاستثناء والضرورة.

* وأما تحريم إنشاء الأحزاب السياسية، بدعوى أنه لم يتحصل للمسلمين نفع من ورائها، وأنه يخشى على الداخلين فيها أن يجرفهم تيار الحياة السياسية، وأن يفسدوا هم بدل أن يصلحوا غيرهم، فقول باطل أيضاً، لأن التجارب القليلة التي جرب بها المسلمون هذا الطريق قد أثبتت أن وراء ذلك منافع عظيمة: في إعلان إسم الإسلام، وإنكار المنكر، والأمر بالمعروف والدفع عن المسلمين، والقيام في وجه الباطل. وعدم تخلية الساحة السياسية للعقائد الفاسدة، ولولا تمالؤ الشرق والغرب على حرب الأحزاب الإسلامية، والتوجهات السياسية لرجالات الإسلام ووقوف الحكومات الاستبدادية في وجه هذا التوجه لكانت الدولة اليوم كلها للإسلام، ولكان الذين يتسلمون زمام الأمور في كل بلاد المسلمين هم رجال الدعوة والإسلام، ولكن في كل بلد إسلامي كان هم أعداء الإسلام الأول هو قتل الزعامات الإسلامية القادرة على قيادة الجماهير، وتوجيه الأمة ومحاولة تشويهها بكل سبيل، وقطع الطريق عليها، ومنذ سقوط الخلافة وإلى يومنا هذا تحاول معظم الحكومات جاهدة أن تحول بين المسلمين وبين سلوك هذا السبيل لأنها تعلم تمام العلم، وتوقن تمام اليقين أن قيام حزب إسلامي معناه توجه جماهير الأمة كلها إلى الدخول فيه ومساندته وبذلك تسقط كل الأحزاب، وتنهار كل العقائد والمبادئ الباطلة. ولذلك فإن حكومات السوء تعمل بكل جهدها ألا يقوم حزب علني في بلاد المسلمين يحمل شعار الإسلام ويدعو إلى الله لأن هذا معناه بروز قيادة إسلامية، ووصول الإسلام إلى سدة الحكم في سنوات معدودات.

* وللأسف أن الذين يفتون اليوم بعدم جواز الأحزاب السياسية الإسلامية يقدمون خدمة جليلة لأعداء الدين من حيث لا يدرون، لأنه بذلك يجعلون الدعوة إلى الله محصورة في إطار وسائل ضعيفة، ويظهرونها دائماً بمظهر الخارج على الشرعية والقانون، ويجعلونها تسلك الطرق الجانبية الخفية السرية، ويدعون الطريق الواسع اللاحب لأعداء الدين، ليقودوا الأمة، كما يريدون ويوجهوها إلى حيث يشاؤون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت