فهرس الكتاب
…إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبيد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والموازين، وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس في صورة من الصور، ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع، وهذه المجموعة التي تُخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أرباباً من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله .
…وقال: أظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبيد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم وإقامة الموازين لهم، فمن ادعى لنفسه شيئاً من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام لنفسه للناس إلهاً من دون الله ..
عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته،
وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، فهذا هو ادعاء الألوهية، ولو لم يقل كما قال فرعون: { أنا ربكم الأعلى} ،والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد.
…فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادعى الألوهية اختصاصاً وعملاً، وأيما بشرٍ آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها ..
…إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده، وليس ذلك لأحد من البشر، لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله (1) .
…ويقول الدكتور محمد حسين رحمه الله في كتابه"أزمة العصر": والحاكمية في الإسلام لله، فكتاب الله وسنة رسوله مصدر الأحكام . بينما الأمة أو الشعب ممثلاً في نوابه هو عند الديمقراطية مصدر الأحكام، فالأمم محكومة في الإسلام بتشريع الله الحكيم العليم . وهي في الديمقراطية محكومة بقوانين صادرة عن شهوات الناس ومصالحهم . فالأحكام مستقرة دائمة في الإسلام، وهي متبدلة متغيرة لا تستقر في الديمقراطية ا-هـ .
…قلت: والإنسان في النظام الديمقراطي يكون كحقل التجارب، تُجرى عليه تجارب القوانين - التي لا تعرف الاستقرار أو الثبات - ـــــــــــــــــ
(1) الظلال:1/407 ، وطريق الدعوة:2/170و179 .
لتُعرف مدى صلاحيتها من فسادها، وإلى أن يُعرف هذا من ذاك تكون الضحايا والتكاليف باهظة الثمن،والذي يقدمها هو الإنسان.
…ثانياً: تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التدين والاعتقاد، فللمرء - في ظل الأنظمة الديمقراطية - أن يعتقد ما يشاء، ويتدين بالدين الذي يشاء، ويرتد إلى أي دين وقت يشاء، وإن كان هذا الارتداد مؤداه إلى الارتداد عن دين الله تعالى إلى الإلحاد وعبادة غير الله عز وجل ..!
…وهذا أمر لا شك في بطلانه وفساده، ومغايرته لكثير من النصوص الشرعية، إذ أن المسلم لو ارتد عن دينه إلى الكفر، فحكمه في الإسلام القتل، كما في الحديث الذي يرويه البخاري وغيره:"من بدل دينه فاقتلوه"وليس فاتركوه .. فالمرتد لا يصح أن يُعقد له عهد ولا أمان، ولا جوار، وليس له في دين الله إلا الاستتابة فإن أبى فالقتل والسيف (1) .
وسيرة الصحابة - رضوان الله عليهم - مع المرتدين في حروب الردة وغيرها معروفة لدى الجميع .
ومعلوم كذلك أن الإسلام انتهى حكمه في أهل الكتاب، ومعهم المجوس كما هو الراجح، إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام - والإسلام يجب ـــــــــــــــــ
(1) دلت السنة على أن المرتد نوعان: نوع يُقتل ولا يُستتاب وهو المرتد ردة مغلظة، ونوع يُستتاب قبل أن يُقتل وهو المرتد ردة مجردة، واستتابته سنة يُندب إليها لا تُحمل على الوجوب .
ما قبله - وإما الجزية وهم صاغرون، وإما القتل والقتال .
…أما الملحدون الذين يقولون: لا إله في الوجود والحياة مادة، ومعهم عبدة الأوثان والأصنام من العرب وغيرهم فليس لهؤلاء في دين الله إلا الإسلام أو القتل والقتال ..
…قال تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} الأنفال:39 .
…وفي الحديث فقد صح عن صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال:"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
…وفي رواية عند مسلم:"من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُمَ ماله ودمه وحسابه على الله".
…وقا صلى الله عليه وسلم:"بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم" (1) .
…وكذلك يوم نزول عيسى عليه السلام - كما دلت على ذلك السنة - فإنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويُسقط الجزية، ولا يقبل من مخالفيه _ بما فيهم أهل الكتاب - إلا الإسلام، أو القتل والقتال ..
ـــــــــــــــــ
(1) رواه أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، صحيح الجامع الصغير:2831 .