وتكمن خطورة هذا المنهج المعتمد على عمومات النصوص دون استيعاب لتصرفات الشارع التطبيقية في أنه يندرج تحت آفة من آفات أحبار اليهود التي نهى الله فقهاء المسلمين عن سلوكها، وهي آفة (تبعيض الكتاب) عبر أخذ بعض نصوصه وترك بعضها الآخر كما قال تعالى في سورة البقرة"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض".
وعلى صعيد آخر.. يخطئ كثيراً أولئك المثقفون المأخوذون بالسياقات الفكرية والفلسفية ممن يستهترون بعلم الفقه الإسلامي، وأن الأمر لا يحتاج كل هذه الجهود على أساس أن الدين واضح ميسر لا يحتمل كل هذا التعقيد الذي يحدث، وفي تقديري أن هناك خلطاً لمصدر التعقيد نشأ بسبب الفهم المجمل الذي يعوزه التفصيل لمكونات الإجابة الفقهية، فالواقع أن أية إجابة فقهية هي مزيج من عنصرين أساسيين هما: قاعدة وواقعة، فأما القواعد الشرعية فهي ميسرة بينة محكمة بمقتضى النص القطعي (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) وأما الوقائع فهي تزداد تعقيداً مع التطور المذهل في الحياة الإنسانية، وهذا يعني أن فقه المعاملات المالية ليس علماً شائكاً بسبب وعورة قواعد الوحي الإلهي - حاشا وكلا- ولكن بسبب حجم وطبيعة المعطيات والوقائع الاستثمارية الحديثة، فالتعقيد في الوقائع لا في القواعد.
وفي إطار محاولات الفقهاء الرواد في التواصل مع العلوم الحديثة ذات الصلة بفقه المعاملات المالية بخصوص تصوير العقود والوقائع المستجدة وتوضيح صيغ علاقاتها المؤثرة على الحكم الشرعي يلاحظ المتابع موقفاً مترعاً بالمفارقة في تحديد وزن العلوم الحديثة التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال.
فقد تم في هذا السياق بناء تواصل إيجابي معقول مع الاقتصاد الحديث، وتبادل للخبرات مع رجالات الاقتصاد من خلال استكتابهم في المجامع الفقهية، والاستناد إلى نتائجهم العلمية، وترجمة دراساتهم الأجنبية في تنام مستمر وملحوظ لمرجعية الاقتصاديين في الوعي الفقهي المعاصر، في مقابل القطيعة والنفور المذهل مع خبراء التشريعات التجارية والمالية الحديثة، على الرغم من أن خبراء التشريع من شُرّاح القانون ونحوهم في المجتمعات المتقدمة هم الوجه الحقيقي المقابل للفقهاء في المجتمع المسلم، بما يعني أن إمكانية استفادة الفقيه في تصوير العقود والمعاملات المعاصرة من خبراء القانون التجاري الحديث أكبر بكثير من إمكانية الاستفادة من خبراء الاقتصاد الحديث بسبب وحدة الوظيفة والهموم المشتركة بين علمي الفقه والقانون، في مقابل التفاوت الواسع بين وظيفة الفقه ووظيفة الاقتصاد، فوظيفة علم القانون دراسة تنظيم العلاقات الحقوقية بين أفراد المجتمع، أما وظيفة علم الاقتصاد فهي دراسة سلوك الإنسان في إدارة الموارد النادرة لإشباع حاجاته.
ولنضرب على ذلك مثلاً: فحين يدرس علم الاقتصاد موضوع (العمليات البنكية) من خلال مادة النقود والبنوك فإنه يدرسها بهدف تحقيق أكبر معدل تنافسي للعائد بصفتها أحد موارد التمويل وتوزيع الائتمان، أما علم القانون فحين يدرس هذه (العمليات البنكية) من خلال مادة القانون التجاري فليس معنياً بالبحث عن أنجع الوسائل لتعظيم الربح، ولكنه معني بدراسة الالتزامات والآثار الحقوقية الناشئة عن هذه العمليات عبر تحليل عناصر العقود والعلاقات بين العاقدين.
ويبرز أثر هذا الاختلاف جلياً في سائر الموضوعات المدروسة في العمليات البنكية بين العلمين، فمثلاً يدرس علم الاقتصاد عقد (الخزانة الحديدية) باعتباره أحد آليات تحقيق الأمان للعميل بما يستقطب المزيد من الأصول، بينما في دراسة فقهاء القانون لهذا العقد يذهب الجهد الأساسي لمناقشة تكييف هذا العقد: هل هو عقد وديعة باعتبار عنصر الحفظ؟ أم هو عقد إيجار باعتبار شراء المنفعة؟ أم هو عقد قرض باعتبار حرية التصرف؟
ويتضح للفقيه أن المدخل الذي يتناول علم القانون موضوعاته من خلاله أقرب إلى علم الفقه وأشبه ببينته المعرفية من المدخل الذي يسلكه علم الاقتصاد، بسبب تركيز علم القانون وإبرازه لذات العناصر والعلاقات التي يستهدفها علم الفقه، ولذا فهو أجدى وأكثر عائدة في تصوير العقود والوقائع المستجدة.
فالمفترض في فقهاء المعاملات المالية المعاصرة اليوم أن يتجاوزوا تلك الحساسيات التاريخية مع علم القانون، والتي نشأت في ظل مناخ من التوترات السياسية أججتها حالة الاحتجاج الشعبي ضد القسر الإمبريالي في تغريب التشريعات.