لقد تأخرنا في امتلاك هذه الأدوات، وحينما توفر شيء منها، فغالباً ما سخرها أصحابها النفعيون لنخر مجتمعاتنا بالتافه والساقط والهادم، ولكم أن تقارنوا بين أشهر برامج تلفزيون الواقع لدينا في العالم العربي ومدى ما بثه من إسفاف وإلهاء وميوعة، وبين أحد برامج الواقع الإسرائيلية الذي هدف إلى تلميع صورة الكيان الإسرائيلي عبر اختيار عدد من الشباب والفتيات والمنافسة بينهم لاكتساب مهارات ذلك، من خلال مناقشة قضاياهم حول العالم، ومن ثم ترشيح السفير الذي يجيد إيصال صورة جيدة لبلده وحشد التأييد لها..! ولكم أيضاً أن تقارنوا بين الأفلام التي سُخرت لخدمة الكيان الصهيوني، وبين الأفلام العربية التي تفننت في خدش مجتمعاتنا وقيمنا، ولم تقدم شيئاً إيجابياً يُذكر، فضلاً عن إمكانية الاتكاء عليها في حمل همومنا و قضايانا..!
الإعلام أصبح أقوى من الجيوش، و تلك الشاشة الفاتنة، لها تأثيرها و وزنها، و بإمكانها أن تمحو أو تشوه خلال ساعة ما استغرق البيت والمعلم بناءه خلال أشهر؛ فهي ليست مجرد أداة ترفيه بل أداة توجيه وبث فكري وعقدي سواء كان ذلك ظاهراً أو مستتراً .. فلماذا نعجز عن استغلالها كما فعل اليهود..؟ ولماذا نبتعد بحجة تردي الأمر الواقع، و نستسلم له و ننوح عليه بدلاً من التصارع مع الباطل، وتقديم البديل وإصلاح الواقع..؟! لماذا لا تمتد أيادي حملة هم الأمة إليها بدلاً من الاكتفاء بالوسائل التقليدية التي لا تستطيع مجاراة (رتم) هذا العصر..؟! لماذا لا نمزج بين الفنان المتدين في فنه و رجل الدعوة المتفنن في دعوته..؟
إن اختزال و تصنيف هذه القضية في خانة التحريم ببساطة جعلنا نفقد الكثير، خاصة وأن جزءاً كبيراً من الواقع يعيش خارج نطاق هذا الإفتاء.. وحينما نتجاوز حدود النقاش في حكمها إلى حدود المطالبة باستغلالها لصالحنا لا يعني هذا أننا نخرج عن ثوابت الدين، ما دمنا نؤكد على مسألة الضوابط العقدية والأخلاقية، وعدم إطلاق يد من يقوم عليها كيفما اتفق.. وبالتالي تحويلها من غرم علينا إلى غنم لنا ..
لذلك أعود وأقول بأننا نعيش فقراً فنياً حقيقياً في الإنتاج كماً ونوعاً، على الرغم من توفر روافد هذا الإنتاج، وهي القضايا الإنسانية العادلة، والقيم الرفيعة السامية، والإرث الثقافي والحضاري.. والذي يحتاج إلى من يصوغه ويقدمه باحتراف، عبر استثارة وجدانية كمنفذ ضوء على الحقيقة المتوارية أو التي تحتاج إلى تعزيز، دلاً من الاتكاء على البرامج الحوارية والإلقائية المباشرة،خاصة وأن الكثير منها يعاني من الضعف والخفوت إما مضموناً أو أسلوباً.. أما القدرة على استثارة وجدان الآخرين وتقديم التجارب الإنسانية فإنه يفتح أقصى تخوم النفس، و يستنطق الحقائق التجريدية والرموز، ويسكب حولها الدلائل، أي أنه يحدث تفاعلاً عميقاً بين الوجدان وبين الرؤية العقلية، وبالتالي تحدث رؤية مغايرة للصورة السابقة حتى التي قد تكون نمطية راسخة من الصعب إعادة تشكيلها، و من ثم يتغير التقدير و التعامل مستقبلاً..
إن علينا اجتراح آليات تستمد وقودها من نسقنا العقدي و الاجتماعي والثقافي الذي يفرز قضايا تحتاج إلى نوع من التواؤم ومحايثة المتغير .. خاصة وأن لدينا معيناً لا ينضب من هذه القضايا والتجارب الإنسانية، التي من الممكن استغلالها لضخ الحقائق، كما فعل المخرج العقاد - رحمه الله - في فلم"عمر المختار".. حينما حرّر هذه الشخصية الرائعة و"الكاريزمية"من إسار جمود التاريخ و تصوره المجرد عند كثير من الأجيال إلى شخصية مُجسدة مفعمة بالجهاد و التفاصيل الإنسانية والعميقة لا يفتر لمعانها..
لدينا رسالة عظيمة تحتاج البلاغ .. لدينا فلسطين، والشيشان، والعراق، والنيجر.. لدينا صلاح الدين، وابن تاشفين، والدرة، وإيمان حجو.. لدينا جدار العزل والاستعمار والاحتلال، لدينا الأقليات والأسرى، لدينا الفقر والأمية والبطالة ونهب الثروات والتغريب.. لدينا عمق التاريخ و أصالة التراث، لدينا العبق المشبع بالقيم والجمال.. لدينا الكثير الكثير.. في حين يعاني الغرب واليهود من قلة تلك الروافد، ومع ذلك يستمر إنتاجهم ولو بأفلام الرعب والخيال العلمي و"الأكشن".. ونحن نتفرج بعناية..!
إننا بحاجة إلى إعلام و فن يعكس التصور الإسلامي، و سينما جادة ومؤثرة توظف لصالح قضايانا ومصالحنا المشتركة وتحدّ من تأثير الفن و السينما الغربية التي تنخر في جسدنا منذ أمد.. بحاجة إلى جيل من الكتاب والمخرجين الذين يقدمون القضايا من منطلق إسلامي صحيح و وفق الضوابط، ولديهم القدرة على المزج بين الرقي القيمي والإبداع الفني، عبر لغة تأثيرية، تستنفر حواس المتلقي و تؤثر على سلوكه و آرائه و مواقفه ، فلا يمكنه العودة كما كان، فثمة لغة حرّضت مشاعره وفكره وتساؤله..