فهرس الكتاب
وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ولم يكن عثمان قد قدم أي مرشح أو مجموعة مرشحين للخلافة من بعده، ومع توسع الدولة الإسلامية لم يعد سهلًا أن يجتمع أهل الحل والعقد في مكان واحد، وزاد على ذلك الخلاف الذي وقع بن علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه بداية حول القصاص بدم عثمان رضي الله عنه، فصارت فجوة، وظهر فراغ، أدى إلى فتنة واقتتال بين المسلمين حتى حسم بمقتل أحد الخليفتين وهو علي رضي الله عنه، ومما لا شك فيه بين أهل السنة أن المسلمين لو اتفقوا على علي أو على معاوية رضي الله عنهما لكان خيرًا من الاقتتال فكلاهما من أهل الفضل وإن زاد فضل علي على معاوية رضي الله عنه، فإنه يبقى صحابي جليل له فضله وقدره وجهاده في الإسلام، ولكنها الفتنة التي نريد أن نتعلم منها درسًا حتى لا نقع فيها، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وعلينا أن نجتهد في ذلك، ونتوكل على الله مع بذل الأسباب.
حصل درس آخر في عهد علي رضي الله عنه في العراق لا يجب أن نفوت الاستفادة منه في هذا المقام، ألا وهو ظهور الخوارج، رغم معارضتهم لعدة مسائل، قال فيهم علي رضي الله عنه:"لهم علينا ثلاث، لا نمنعهم مساجد الله، ونقاسمهم الفيء ما دامت أيديهم في أيدينا، ولا نبدأهم بقتال". فانظر أيها المتدبر إلى هذه القواعد التي استنبطها وسنها علي رضي الله عنه في التعامل الشرعي الحكيم والعادل الذي يرعى مصالح الناس وحقوقهم، حتى مع المعارضة المنظمة، ومن هذا يمكن أن نستنبط ونفهم التالي:
المعارضة والمخالفة للخليفة أو للحاكم ليست في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها الشرع.
المخالفون يتمتعون بكامل حقوقهم في الدولة ويأخذون مالهم إذا أدوا ما عليهم.
المساجد لم تكن أماكن عبادة فقط في ذلك الوقت بل كانت أماكن تجمع للتشاور في المسائل العامة التي تعني الأمة وأماكن لتجييش الجيوش وأماكن للإعلان عن أمور هامة وللتباحث في المسائل العلمية، فلم يحرم أصحاب الرأي الآخر من دخولها فهي وسائل الإعلام والبرلمانات (مجالس الشورى) ومنتديات الحوار الهادف والجاد، ومن حق المعارضة ألا تحرم من هذه الأماكن، وإذا حرمت منها وأغلقت أمامها هذه الأبواب فستكون لهم حجة لاستخدام أبواب ممنوعة وعاقبتها وخيمة على الأمة الإسلامية لما يمكن أن يلحق بالأمة عن تفكك وانقسام، ولو حفظ أئمة الأمويين والعباسين هذه الحقوق للمسلمين لما تعرض أئمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية وغيرهم للسجن والضرب والنفي لمخالفتهم في الرأي مع أنهم كانوا على الحق، وهذا ما بعد ذلك.