الإسلامية، وبالمكونات التي تميزها عن الحضارات الأخرى، فضلاً عن أنه يتخرج وهو لا يملك الاعتزاز بهذه الحضارة، بما أن النشاط التدريسي في التاريخ والحضارة ينطوي ـ بالضرورة ـ على بعد تربوي، لكن هذا البعد يتفكك ويغيب من خلال الخطيئة المنهجية التي لا تكاد تمنح الطالب أي ملمح يجعله يتشبث بتراثه الحضاري، باعتباره أقرب إلى مطامح الإنسان ومهماته الأساسية في العالم. بل إننا قد نصل في نهاية الأمر إلى نتائج معاكسة تتمثل في رفض حشود الخريجين لتراثهم الحضاري، وإنكاره، وإعلان التمرد عليه، والاندفاع ـ في المقابل ـ باتجاه إغراءات الحضارات الأخرى وإغواء بريقها الظاهري الخادع، وبخاصة الحضارة الغربية. وبهذا يصير تدريس الحضارة الإسلامية سلاحاً نشهره ضد أنفسنا لتدمير الثقة بمقومات حضارتنا وبقدرتها على الاستعادة والفاعلية في صميم العصر، وفي مشاركاتها المحتملة في صياغة المصير، كما يؤكد العديد من المفكرين والباحثين والمستشرقين الغربيين. وللأسف فإن هؤلاء القادمين من خارج دائرة الإسلام كانوا أكثر قدرة، بسبب من رؤيتهم المنهجية الشمولية، على متابعة خصائص الحضارة الإسلامية وصيرورتها والتأشير على عناصر تميزها وتفوقها، وهم الذين أكدوا على أن بصمات الإسلام ونسقه (الموحد) يمضيان لكي يطبعا كل خلية من خلايا هذه الحضارة، ويشكلا كل صغيرة أو كبيرة في معمارها الواسع المتشعب.
وما من شك في أن العقل الغربي تفوق علينا في منهج الدراسة الحضارية، كواحدة من حلقات تفوقه الراهن، وليست محاولة المؤرخ البريطاني المعاصر (أرنولد توينبي) في مؤلفه المعروف (دراسة في التاريخ) بعيدة عن الأذهان. إنه يتعامل مع الحضارات البضع وعشرين التي درسها عبر استقرائه للتاريخ البشري كما لو كانت كل واحدة منها تحمل شخصية متميزة، وملامح متفردة، وخصوصيات تفرقها عن الحضارات الأخرى، ونسغاً يجري في عروقها هو غيره في الحضارات الأخرى.
ونحن اليوم؛ إذ ندرس حضارتنا في المعاهد والجامعات بأمس الحاجة إلى منهج قريب من هذا، يسعى لأن يتعامل مع هذه الحضارة كشخصية أو تكوين متميز: بدءاً وصيرورة ونمواً وانكماشاً وفناء. فإذا تذكرنا أن حضارتنا هذه لم تتشكل من العدم، ولم تلمّ شتاتها بطريقة ميكانيكية من هذه الحضارة أو تلك فتكون عالة عليها، وأنها إنما نشأت بتأثيرات إسلامية، ووفق شبكة شروط وتأسيسات محددة صاغها هذا الدين، وأنها تكوّنت في رحم إسلامي، وليس في أي رحم آخر، وأن بصمات كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على حجيراتها وخلاياها ونبضها من الأمور التي لا يكاد ينكرها باحث جاد.. إذا عرفنا هذا كله أدركنا كم تكون جنايتنا على طلبتنا بتقديم هذه الحضارة مزقاً وتفاريق، وبنوع من فك الارتباط الساذج أو الخبيث الذي يتعمد التعامل معها، كما لو لم يكن للتأثيرات الإسلامية في تكوينها أي حضور ملحوظ، اللهم إلاّ في خانة ما يُسمّى بالعلوم النقلية المعتقلة في المصنفات العتيقة والبعيدة عن تشكيل الحياة والنزول إلى المؤسسة والشارع والمدرسة والبيت.
إن تحديات الحضارة الغربية المعاصرة، ومطالب المشروع الحضاري البديل، يقتضيان ـ كما ألمحنا ـ إجابة كونية بمستوى المشكلة، ولن يكون ذلك دون المزيد من الإيغال في حلقة الفقه الحضاري المتجذر في التاريخ والعقيدة على السواء.
إن مبدأ (التوحيد) المحرر، الذي هو نسغ حضارتنا وجوهرها ومغزاها، والقاسم المشترك لمفرداتها كافة، يقف قبالة كل الصنميات والطاغوتيات والحتميات التاريخية والمادية التي حكمت العقل والوجدان الغربي طويلاً، والذي يجد نفسه اللحظة، مسوقاً لأن يبحث عن الجواب.. عن صيغة للتحرر من الضغوط والخروج من المأزق .. وأيضاً للتحقق بالتوازن الضائع في حياته بين المادة والروح، والذي لن يعثر عليه إلا في إطار هذا الدين.
إن الفقه الحضاري يستدعي دراسة علمية منهجية متأنية لتاريخنا الحضاري من أجل استمداد مؤشرات العمل في الحاضر والمستقبل، وهي ـ كما هو واضح ـ ليست مسألة ترفيه، ولا حتى أكاديمية صرفة، وإنما هي مسألة (حيوية) بكل معنى الكلمة، لأن حلقة كهذه معنية باستخلاص البدائل التي يمكن أن نتقدم بها إلى العالم في سياق مشروع حضاري يشارك في صياغة المستقبل. فضلاً عن أن فقهاً كهذا يمنحنا صورة عن مصداقية تحول الشريعة وتأسيساتها التصورية والاعتقادية إلى واقع تاريخي متحقق في الزمن والمكان، أي في التاريخ، كما أنه سيعرفنا على عوامل الانهيار الحضاري التي ساقتنا إلى المواقع المتخلفة في خارطة العالم، عندما أخذ أجدادنا يقلدون بدلاً من أن يبدعوا، وعندما هيمنت الروح الإرجائية التي فصلت الإيمان عن مقتضياته العملية، وعندما ساد الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، وعندما لم تلتفت القيادات الإسلامية المتأخرة ـ كالمماليك والعثمانيين .. ودول الطوائف ـ إلى مغزى إلحاح القرآن الكريم على التحقق بالقوة، ولم تول الاهتمام الكافي لتحديات التكنولوجيا، وبخاصة تكنولوجيا السلاح .. إلى آخره ..