ومنه نعلم أن الحرية في الإسلام، تتحرك في جميع ميادينها مع الجميل والجمال، وتبتعد كل البعد عن الخبائث والقبائح!
الحرية في الديمقراطية، تعبد العبيد للعبيد، فتجعل العبيد منقادين لعبيد ربما يكونون أقل منهم شأناً، يُشرعون ويُقننون لهم، يُحرمون ويُحلون لهم، وليس على الآخرين إلا الطاعة والاستسلام والانقياد، والخضوع!
فأي حرية هذه، مع العبودية للمخلوق هذه؟!
بينما الحرية في الإسلام، فإنها تعمل على تحرير العباد - كل العباد - من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحده سبحانه وتعالى!
فإن قيل: هي في نهاية المطاف عبادة وعبودية، فأين الحرية؟!
أقول: أجيب على هذا السؤال الساقط من أوجه:
منها: أن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان، وأنشأه ورباه، وهداه النجدين، وسخر له الكون كله، وبالتالي من حقه سبحانه وتعالى أن يُعبد، ومن الواجب على عباده أن يعبدوه ويُخلصوا في عبادته سبحانه وتعالى، وشكره، واتباع أوامره!
فعبادة العبد لخالقه وحده، عز، وفخر، ورفعة، وشرف ما بعده شرف، بينما عبادته للمخلوق العاجز الضعيف، ظلم، وذل، وضياع، وعذاب ما بعده عذاب!
ومنها: أن المرء فُطر على العبودية والتدين، فهو إن لم يكن عبداً لخالقه، فسيكون لا محالة عبداً للمخلوق وفي الباطل، أياً كانت صورة ونوعية هذا المخلوق!
ومنها: أن إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، هو عين التحرر من عبادة الآلهة الأخرى الوضيعة المكذوبة المزعومة!
الحرية في الديمقراطية، تُخضع الإنسان لكثير من المؤثرات والضغوط الخارجية التي تفقده كثيراً من حرية الاختيار والتفكير: ضغط الإعلام بجميع فروعه وتخصصاته ووسائله، ضغط إثارة الشهوات ووسائل اللهو بجميع أصنافها وألوانها، وما أضخمها، ضغط الحاجة والسعي الدؤوب وراء الرزق والكسب، ضغط سحرة الساسة والأحبار والرهبان ومدى تزويرهم للحقائق، ضغط المخدرات والمسكرات المنتشرة في كل مكان، وأخيراً التلويح باستخدام عصا الإرهاب والتهديد الجسدي والمادي لمن يستعصي على جميع تلك الوسائل والضغوطات، ولا يستعصي عليها إلا من رحمه الله، وما أقلهم!
فهذه الضغوط والمؤثرات تُسلب المرء صفة حرية الاختيار، والتفكير، واتخاذ المواقف التي يريدها ويرضاها بعيداً عن تلك المؤثرات الخارجية المصطنعة!
هذه الضغوط والمؤثرات التي يصعب الفكاك منها، تُسلب المرء حريته، وإن زعم بلسانه أنه حرٌّ، وظهر للآخرين بأنه حر!
لذلك نجد طغاة القوم ومستكبريهم، وأحبارهم ورهبانهم، لا يحتاجون إلى مزيد عناء عندما يريدون من شعوبهم أن تسير في اتجاه دون اتجاه، أو يريدون حملهم على استعداء جهة دون جهة، أو على اختيار شيء دون شيء، يكفي لتحقيق ذلك أن يُسلطوا عليهم قليلاً من تلك المؤثرات والضغوطات الآنفة الذكر، ولفترة وجيزة من الوقت!
هذه الضغوط والمؤثرات التي تسلب المرء حريته، هي المعنية من قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
ليس مكر الليل وحسب، أو مكر النهار وحسب، بل هو مكر الليل والنهار وعلى مدار الوقت، بحيث لا يُعطى المرء منهم لحظة واحدة يخلد فيها للراحة والهدوء والتفكير، حتى لا يهتدي إلى الحق، ويعرف أين هو من الصواب!
بينما الحرية في الإسلام، تحرر المرء من جميع تلك المؤثرات الخارجية التي تقلل من حريته وحرية اختياره وقراره، وربما تسلبها كلها، لتعيد له جميع قواه النفسية والجسدية والمعنوية، وترفع عنه جميع الأغلال والقيود، ثم تقول له بعد ذلك: اختر الذي تريده، {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} .
الحرية في الديمقراطية، تمر بصاحبها على الجيف المتآكلة، وعلى القبائح، وعلى الأمراض، وعلى الفساد، وعلى كل ما يُفسد الذوق الجميل، والطبائع السوية، فتجرئه على الشذوذ والاعتداء، والإدمان على ذلك!
ومثله كمثل الذي يقود سيارة بلا كوابح، ولا ضوابط، ولا مراعاة لحقوق طريق أو مار، فيصطدم بالجميع، ويمر على الجميع، ويعتدي على الجميع!
بينما الحرية في الإسلام، تمر بصاحبها على كل ما هو جميل أو طيب، كما أنها لا تسمح له أن يتعدى ذلك، ليمر على الخبائث والجيف والأمراض، لتحافظ على سلامة ذوقه، وتفكيره، وصحته، وإيمانه!
ومثله كمثل الذي يقود سيارة بكوابح وضوابط، ينطلق حيث ينبغي الانطلاق، ويقف حيث ينبغي التوقف، ويُعطي كل ذي حقٍّ حقه، من غير إفراطٍ ولا تفريط!
الحرية في الديمقراطية، تظهر وكأنها منحة يمن بها الإنسان على أخيه الإنسان، يعطيه منها ما يشاء ويسلبها منه متى يشاء!