وفي المقابل، لا توجد للمجاهدين قيادة موحدة وإمام عام مبايع، وهذا مما حذر الله تعالى منه في كتابه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ، أي إن لم يوالي بعضكم بعضاً وينصر بعضكم بعضاً تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
ومن الفساد الكبير أن تظهر الديمقراطية في بلاد المسلمين.
فالواجب على المجاهدين في العراق أن يوحدوا صفوفهم، وأن يبايعوا إماماً عاماً للمسلمين في العراق، قد توفرت فيه شروط الإمامة، ويتم اختياره من أهل الشورى من قادة المجاهدين ومن العلماء المجاهدين، ولا يدخل في الشورى المنافقون أو القاعدون عن الجهاد، لأنهم ليسوا من أهل الولايات في الإسلام.
وأما الإنتخابات العامة لاختيار الإمام العام، أو أعضاء مجلس الشورى، ولو في دولة تحكم بالإسلام؛ فإنها لا تجوز، وإنما هي من مسالك وسُبل النظام الديمقراطي الكافر، التي لا يحل ادعائها من الإسلام ونسبتها إليه.
ومن الأدلة على تحريم الإنتخابات العامة:
أن الحاكمية في الإسلام لله تعالى، وليست للشعب أو غيره، وإنما الواجب على الشعب الإنقياد لأمر الله وحكمه.
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} .
ثانياً: إن إبطال الشروط الشرعية الواجب توفرها في الإمام أو أعضاء الشورى، وإبطال الطريقة الشرعية في اختيار الإمام واستبدالها بالإنتخابات الديمقراطية؛ هو من التحاكم إلى الطاغوت وتبديل حكم الله تعالى، وقد قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} .
ثالثاً: أن مقصود الإمامة إقامة شريعة الله تعالى في جميع شؤون الحياة، وإقامة العدل، والأمر بالمعرو والنهي عن المنكر، ولتحقيق المقصود من الإمامة جاءت الشريعة بالشروط الواجب توفرها بالإمام؛ كالعدالة والاستقامة والعلم والشجاعة وغيرها من الشروط.
وأما الإنتخابات العامة فهي قائمة على أهواء الناس وشهواتهم، فإن أكثر الناس إنما ينتخبون من يحقق أهوائهم، دون إلتفات منهم إلى شروط الإمامة.
والله تعالى أمرنا باتباع أمره، وألا نتبع أهواء الناس، فقال تبارك وتعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ، وقال تبارك وتعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، وقال تبارك وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} ، وقال تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .
رابعاً: أن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وشروط الإمامة في الشريعة جاءت لتحقيق هذه الغاية، وأما الإنتخابات الديمقراطية العامة، فتلغي هذه الشروط، ويتم الاختيار بحسب أهواء الناس وشهواتهم - كما تقدم - وفي هذا مضادة لله تعالى في أمره وعبوديته.