فهرس الكتاب

الصفحة 2183 من 27364

وإذا كانت المنائر الممتدة إلى السماء إشارة على قدرة الفنان المسلم على تصميم المفردة المعمارية التي تعبّر عن تصوره للعالم والحياة والوجود، فإن حياتنا المعاصرة كلها يتحتم إن تنبثق فيها (الإشارات) التي تجتهد أن تحمل دلالتها على كل ما هو إسلامي، وأن يتغلغل الالتزام الديني في سداها ولحمتها، ويكون نولها الذي يمنح نسيجها هذا الشكل أو ذاك.

إن الاجتهاد هو ـ بشكل من الأشكال ـ حماية للتشريع الإسلامي من التيبس والتسيب، وهذه مسألة بديهية، ولكن ثقل الواقع كاد يطمس عليها. إننا منذ قرون لا نمارس الاجتهاد .. فكأننا قد اخترنا أسلوب العمل بصيغة بديهية مضادة لا يمكن قبولها: ترك الممارسة الإسلامية تصاب بتصلب الشرايين أو بالرخاوة والتوسع والإنفلات.

إن الإسلام حركة باتجاه (التوافق) مع سنن الوجود والعالم، وإيقاع الكون والطبيعة، فأحرى به أن يكون متحققاً بالوفاق مع نفسه، أي بعبارة أدق: أن يكون كل تعبير إسلامي، في هذا الجانب أو ذاك من الحياة، وإزاء هذه القضية أو تلك من قضايا الوجود والعالم، يحمل إيقاعه المتوحد مع سائر التعابير عن الجوانب الأخرى من الحياة والقضايا المتنوعة في الوجود.

نسيج وحده، هكذا يجب أن ينزل الفعل الإسلامي المتفرد، المتميز، إلى العالم .. إيقاع متوحد، وتوافق منظور، وتناغم شامل بين كل جزئيات الفعل وأطرافه. فإن لم يعن الفعل الاجتهادي على تحقيق هذا التوحد والتوافق والتناغم بين المعطيات والتعابير الإسلامية وبينها وبين العالم، فمن يتولى هذه المهمة؟ ألا يخشى أن يؤول الأمر بالممارسة إلى التشتت والتصادم والتغاير، فتفقد شخصيتها وسماتها؟

إن الاجتهاد ـ بهذا المعنى ـ تنفيذ لمهمة مزدوجة: الحفاظ على هندسة الإسلام نفسه، من جهة، وتحقيق انطباقه على الواقع التاريخي ـ من جهة أخرى ـ أي على بعدي الزمن والمكان. ولن يكون ذلك إلا لصالح الإنسان ومكانته المتفردة في العالم.

قد يقول قائل: إن جهداً كبيراً كالموسوعة الفقهية التي نفذت أقسام منها في الكويت عبر العقود الأخيرة، يمكن أن يكون كفاءً لمطلب كهذا. والجواب أن عملاً كذاك يمكن أن ينحو منحى أكاديمياً ينطوي على المعطيات الفقهية بمفرداتها كافة، ويشكل على المستوى الكمي ثقلاً كبيراً، قد يبعد به ـ بشكل أو آخر ـ عن أن يكون دليل عمل يومي (عملي) يعين المسلم بيسر وسهولة على وضع اليد على الأجوبة المناسبة لمعضلات حياته اليومية، فضلاً عن أن المطلوب بالدرجة الأولى ليس حصراً للمعطى الفقهي على إطلاقه، وإنما متابعة للمستجدات على وجه الخصوص .. لتعقيدات الحياة الجديدة .. للمطالب المتراكمة التي تزداد ثقلاً يوماً بعد يوم.. للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية التي لا تكاد تستقر على حال إلا لتتجاوزه إلى صيغ أخرى. إن متابعة كهذه ضرورية حتى على مستوى وسائل الترفيه التي تشكل إحدى انفجارات العصر، والتي تتطلب أكثر من فتوى تنير سبل التعامل معها دونما إفراط ولا تفريط، وبعيداً عن حدي العزلة والاندماج اللذين يقودان الممارسة الإسلامية إلى الشلل أو الجنوح.

ثمة ـ فضلاً عن هذا وذاك ـ ضرورة إغناء الخبرات المعرفية والتخصصية لأساتذة علوم الشريعة من خلال التوسع في تنفيذ نظام الأساتذة الزائرين، ذهاباً وإياباً (أي استدعاء أساتذة من أقسام وكليات أخرى لإلقاء محاضرات في أروقة الشريعة، وإرسال أساتذة الشريعة إلى الأقسام والكليات الأخرى للاحتكاك ببيئات تدريسية ومعرفية متنوعة) ، وهذا سيمنح التدريسيين والطلبة معاً خبرات أكثر تنوعاً وخصباً على مستوى الأداء التدريسي من جهة، وإغناء التخصص وتعميقه من جهة أخرى.

هذا التبادل المعرفي لن يكون بالضرورة في سياق العلوم الشرعية وحدها، بل يُفضل أن يخرج إلى نطاق العلوم الإنسانية عامة، لتحقيق ما سبق وأن ألمحت إليه هذه الورقات من ضرورة تنفيذ حوار فعّال بين علوم الشريعة وسائر العلوم الإنسانية لتحقيق التحام أكثر بمطالب العصر ومقتضياته، واستجابة أشد فاعلية وتنوعاً وخصباً لمشاكله وتحدياته.

ولابد ـ أخيراً ـ من الإشارة إلى تجربة الجامعات والمعاهد الإسلامية التي بدأت منذ فترة ليست بالبعيدة، في هذا البلد أو ذاك، في تنفيذ مناهج أكثر حداثة في التعامل مع

علوم الشريعة وتدريسها، فكسرت طوق العزلة، والتحمت أكثر بمطالب العصر وقدرت على توظيف معارفه وتقنياته لتقريب أهدافها، وحققت الوفاق الضائع بين المعرفة الشرعية والمعرفة الإنسانية، وسعت ـ ولا تزال ـ لإقامة الجسور المقطوعة بين الفقيه والمفكر من أجل أن تضع الفقيه في قلب الحياة، وتمنح المفكر المسلم خبرة بالمعرفة الشرعية تعينه على التأصيل وتحميه من غوائل الارتجال والجنوح.

لا يستطيع المرء أن يكون مبالغاً في التفاؤل، ولكن رحلة الألف ميل ـ كما يقول المثل ـ تبدأ بخطوة واحدة، ويكفي هذه الجامعات أنها وضعت خطواتها الأولى على الطريق ونفذّت شيئاً من المأمول، وهو كثير، ولكن ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه.

ومهما يكن من أمر فإن جامعات كهذه تمثل فرصة للاستفادة من الخبرة قد تعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت