فهرس الكتاب

الصفحة 21837 من 27364

-نسيت أن أسألك: ما المبادئ الديمقراطية التي ترى انها تتوافق مع الإسلام؟

-منها: مبدأ حق الأمة في اختيار حكامها؛ فيكفيك فيه هذه القصة التي أوردها الإمام البخاري في صحيحه والتي سنجتزئ كلمات منها لضيق المجال. قال عبد الرحمن بن عوف لابن عباس وهم في منى: (لو رأيت رجلاً أتى أميرَ المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً؟... فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم [2] ... من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة [3] أن يُقْتَلا) [4] .

ومنها المبدأ المسمى بحكم القانون، فيكفيك فيه قول الله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ، وقوله تعالى: {فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] .

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس! إنما ضل مَنْ كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) [5] .

ومنها: مبدا الإباحة الذي يسمى الآن بالحرية؛ فإن المبدأ الإسلامي يقول: إن الأصل في الأشياء الدنيوية هو الإباحة. فالإنسان يتحرك ويتكلم، ويأكل ويشرب، ويبيع ويشتري حتى يقول له الدين: لا تفعل كذا أو كذا. وإذا كان الإسلام قد جعل الدعوة إلى الله تعالى أعظم مهمة يقوم بها بشر، وإذا كان قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات المميزة للمسلم؛ فكيف لا يبيح له أن يعبر عن نفسه؟ لكنها حرية في إطار القِيَم والأحكام الإسلامية كما أن الحرية في البلاد الغربية الديمقراطية هي في إطار قيمهم وقوانينهم.

ومنها: ما صار يسمى بالشفافية. هل رأيت دليلاً عليها أصدق من أننا ما نزال نعرف كل ما دار من كلام بين المسلمين في الشؤون العامة في عهد صلى الله عليه وسلم وفي عهد خلفائه الراشدين، بل نعرف كثيراً مما دار حتى بعد تلك العهود؟ ألسنا نعرف ما دار في اجتماع المسلمين لاختيار خليفة للرسو صلى الله عليه وسلم ؟ ألسنا نعرف ما دار بينهم في أمر قتال المرتدين؟ ألسنا نعرف كيفية اختيارهم للخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه؟

-إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا تخلَّف المسلمون في عصورنا هذه في هذه الأمور؟ ولماذا عمت بلادهم إلا قليلاً الحكومات الاستبدادية؟

-هذه قصة طويلة لعلنا نناقشها في مناسبة أخرى. أما الآن فيكفي أن أذكِّركم بأن الدين إنما هو هداية وتوجيه، وأوامر ونواه؛ فليس فيه هو نفسه ما يجبر الناس على تطبيق ما يؤمرون به. فإذا كان هنالك من خطأ فهو في الناس وليس في دين الله. ثم إذا كان الناس لم يلتزموا بهذه المبادئ وهم يعلمون أنها من دين الله؛ فهل تظن أنهم سيلتزمون بها لأنها أتتهم من الغرب؟ إنه لا بد من عمل لإصلاح الأمة لتتقبل هذه المبادئ وتضحي في سبيلها.

-نحن ندعو إلى الديمقراطية؛ لأن فيها من الآليات ما يحول دون هذا الانحراف؟

-كلاَّ، ليس فيها شيء مما تتوهم، بل إن مفكريها يعترفون بأن النظم لا تصلح إلا بصلاح الأمم. وما يقال عن الإسلام يقال أسوأ منه عن الديمقراطية؛ فليس فيها ما يجبر الناس على الالتزام بكل مقتضياتها، ولذلك فإن أسوأ دكتاتور عرفه الغرب إنما جاء بانتخابات حرة، أعني هتلر، كما أن كثيراً من الحكومات المنتخبة كانت حكومات فاسدة. بل إن أكبر القرارات والسياسات الظالمة كانت في عصرنا هذا نتيجة قرارات ديمقراطية لا شك في ديمقراطيتها. فاستعمار الغربيين لكثير من بلدان العالم بما فيها البلدان الإسلامية كان نتيجة قرارات ديمقراطية، وغزو أفغانستان ثم العراق وقتل الآلاف المؤلفة من الأبرياء وتخريب البلاد كان نتيجة قرارات ديمقراطية لا يرتاب أحد في ديمقراطيتها. فإذا كان ما حدث في العالم الإسلامي إنما يعزى إلى البشر لا إلى الدين؛ فإن كثيراً مما حدث في البلاد الغربية إنما كان شيئاً يأذن به المبدأ السياسي الذي يدينون به.

-كل هذا صحيح لا يماري فيه منصف. لكن أظنك تسلِّم معي بأنَّ هنالك شيئاً يُعزى إلى الدين نفسه.

-ما هو؟

-إن الإسلام يقر مبدأ اختيار الأمة لحاكمها، ولكنه لم يلزم المسلمين بطريقة معينة لاختيار الحاكم.

-وكذلك الامر في الديمقراطية. إنها إنما تقول إن الحكم للشعب، وهذا يقتضي أن يكون الشعب هو الذي يختار حكامه. لكن ليس فيها ما يقول إن الحكام أو النواب يجب أن يُختاروا بالطريقة الفلانية. ولذلك فإنهم يختلفون في ما ينهجون من وسائل لاختيار حكامهم.

-لكنها كلها تقوم على مبدأ الانتخابات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت