فهرس الكتاب

الصفحة 21872 من 27364

إنّ ما سبق - وليس تأويلات اللاهثين وراء تطويع الإسلام للديمقراطية - هو ما يفسر ذلك الإصرار من قبل الغرب - عموماً - على إكراه العالم الإسلامي على احتضان قيمه ومثله ونظرته إلى الحياة، بل وإلزامه بجعل الديمقراطية ومقتضياتها هي المعيار الأساس للحكم على مدى نهوض الأمة أو انحطاطها، بعد أن كان الإسلام وحده هو العامل الحاسم في تحديد ذلك.

واستناداً إلى ذلك؛ يتم إدراك معنى دمقرطة العالم الإسلامي، الذي يسوسه الغرب بحسب قاعدة"إما... وإلا".

بمعنى...

إما أن تقرّ الأمة الإسلامية بفكرة فصل الدين عن الحياة، وإطلاق الحريات على النمط الليبرالي، ومنح المرأة الحقوق الكاملة من منظور الفكر الغربي الديمقراطي الذي يجعل المساواة والتماثل في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى هو الأساس، إضافة إلى بناء كل القوانين والتشريعات على أساس تلك القواعد الفكرية.

وإلا فمنطق الإكراه المستند إلى قوة مطرقة الغرب هو من سيتكفل بمعالجة استعصاء العالم الإسلامي عليه، وهو ما سيمنح الغرب القدرة على التحكم بمناهج الأمة التعليمية وخطابها الإعلامي والسياسي والديني والثقافي عموماً، ليصيغها بحسب فلسفته هو لما ينبغي أن تكون عليه الحياة.

ومن أجل ذلك تمّ بناء مراكز فكرية وثقافية وأكاديمية، وإطلاق محطات فضائية لتسويق الديمقراطية ونشرها في العالم العربي والإسلامي، كما قامت مراكز قرارٍ غربية - بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر - بتمويل حركاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ ودعم مفكرين ومثقفين وإبرازهم، بعد أن ارتضى هؤلاء تطويع الإسلام ودمج الديمقراطية فيه، بل وجعلها جوهر الإسلام وقلبه.

وبغض النظر عن نوايا أصحاب تلك الحملة؛ فإن ذلك يصب مباشرة في جعبة الحملة لتغريب الإسلام وتفريغه من محتواه، وجعله شكلاً بمكوناتٍ تنقضه عروة عروة.

وليس من قبيل الصدفة إطلاق صفة؛ الفكر الإسلامي"الوسطي"،"المعتدل"،"المنفتح"،"المتنور"، و"المتطور"؛ على من يتبنى الترويج للديمقراطية ويعتبرها قضيته الأولى، فيما يعتبر من يفترض التضاد بين الديمقراطية والإسلام ويدعو إلى تطبيق الإسلام وجعله قضيته المصيرية الأولى؛"متشدداَ"،"متطرفاً"، و"أصولياً متزمتاً".

ولذلك وجد أصحاب ما يطلق عليه"التيار المعتدل"؛ الغطاء الإعلامي والسياسي والمالي، وفسحة رحبة واضحة من المنابر التي انبرى من خلالها هؤلاء بالذبّ عن الديمقراطية وبتجميلها في أعين الناس، وذلك من أجل التأثير على شرائح واسعة من المسلمين، بخاصةٍ مع تطور وسائل الإعلام وسيطرتها على أذهان الناس وقدرتها الواسعة على التأثير في أفهامهم.

أخيراً...

يتصورُ البعضُ أنّ مسايرةَ الغرب في فكرة الديمقراطية في هذا الوقت؛ هو أمرٌ ضروري لازمٌ، إذ أن التغيير من داخل العالم الإسلامي أمرٌ ميؤوس منه، وأن مسألة التوافق مع الديمقراطية هي أمرٌ شكلي، وأنها مجرد وسيلة لارتقاء سلم الصعود إلى السلطة.

ويتساءل هؤلاء؛ ما الضير في استعمال أهداف الغرب لتحقيق مآرب نبيلة؟

يغفل هؤلاء حقيقة؛ أنّ الغرب ليس بساذجٍ ليخدعوه بمثل تلك الانحناءات، بل إن الغرب يستعملهم وهو يعي نواياهم تماماً، وهو إنما يريد منهم إنفاذ مهمات محددة، وينتهي دورهم فور إنجازهم إياها، ولذلك فإنهم على رغم ادعائهم عدم مصادمتهم للغرب وقبولهم بقيمه وتسليمهم بديمقراطيته فإنه لا يثق بهم، وإنما يمتطيهم طالما أنهم يخدمون أهدافه الثقافية والفكرية بما لهم من وزنٍ لدى عامة الناس، هو نفسه الذي منح أكثرهم إياه، لإدراكه براغمياتهم وطريقة تفكيرهم، التي هو أكثر خبرة ودهاء في استعمالها، لأنها صنعته الخالصة.

والمستيقن حتماً هو؛ أن الغرب لن يدع أحداً يصل إلى السلطة إلا إذا استوثق من أنه مؤمن فعلاً بقيمه، محافظاً له على مصالحه، ضمن آليات يحرص على أن تكون مقاليدها الحقيقية بيديه، حتى يمنع من أن يعبث أحدٌ بمصالحه - فضلاً عن أن ينقلب عليه -

لذلك فإنّ القضية ليست بتلك السذاجة التي يتوقعها البعض.

فضلاً عن أن المراد هو تحرير الأمة جذرياً من التبعية للغرب وعتقها من ربقة استعباده لها، ولا يكون ذلك بشد وثاقها بحجج واهية إلى حضارته، وتمكين خصومها وأعدائها - فكرياً وثقافياً - منها، بعد أن تمكنوا منها سياسياً، بل وعن رغبة وطواعية ودعوة مؤصلةٍ إلى تبني ثقافته وفكره ورؤاه!

من هنا أتت أهمية الحذر من الوقوع في فخ استدراج الغرب لتضليل الأمة من خلال شخصيات مرموقة لها وقعها على أسماع الناس، ولذلك كان لا بد من التنبه دائماً إلى؛ ما يقال، لا إلى؛ من يقول.

وخلاصة القول...

إن الدعوة إلى الديموقراطية في العالم الإسلامي؛ هي مشروعٌ استعماريٌ صرفٌ، يدفع الأمة إلى الاستغناء عن هويتها الثقافية والحضارية وقيمها الخاصة بها، ودفعها نحو الذوبان في الغرب والانصهار فيه إلى درجة الانسحاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت