فهرس الكتاب

الصفحة 21884 من 27364

ويقول: (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمّروا عليهم أحدهم) .

فقد أناط الشرع سلطة انتخاب الحاكم بالناس أي بالأمة.

كما بين شرعية جواز النيابة وتمثيل الآخرين؛ حيث طلب ذلك النبي الكريم صراحة من وفد المدينة، عندما سألهم أن يخرجوا له منهم اثني عشر نقيبا يكونون كفلاء له على قومهم.

وأما المحاسبة والتقويم؛ فتدخل ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمن التعاون على البر والتقوى، وهي عبارة عن أحكام شرعية منضبطة بأدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، ومحددة بكيفيات وترتيبات معينة.

كما أن النصح والتسديد والتقويم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنما هي أحكامٌ شرعية منفصلة عن حكم الشورى، وهدفها ضمان أمثل تنفيذ للإسلام وإحسان رعاية شؤون الأمة به، وليس النزول عند رغبة الأكثرية!

يقول النبي الكريم: (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نصيبنا خرقاَ ولم نؤذِ مَنْ فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاًَ، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً) .

فمهمة الحاكم المبايع من قبل الأمة وكذلك الممثلين لها؛ هو إبقاء كيان الدولة مسيساً بالشريعة منفذاً لها، على اعتبارها تعلو ولا يعلى عليها، وهي السيد في المجتمع، وأنّ أية رعاية لشؤون الناس ومصالحهم؛ ينبغي ضبطها بما يرشد إليه الإسلام نفسه، ولذلك كانت بيعة الأمة لحاكمها مشروطة بالحكم بكتاب الله وسنة نبيه.

أولا ينسف هذا مفهوم السيادة للأمة، أوليس هذا بالنقيض مما هو عليه النظام الديموقراطي؟!

ولا ينبغي أن ينصرف ذهن القارئ؛ إلى أن هذا يعني ترسيخاً للاستبداد وتكريساً للدكتاتوية في المجتمع الإسلامي، إذ أن الإسلام قد جعل الشرع السيادة للشرع لا للحاكم، وأوجب على الناس الاحتكام إليه، وهو فوق الحاكم والمحكوم وبينهما، وينبغي خضوعهما له سويةً، وكان الحاكم نائباً ووكيلاً عن الأمة في تنفيذ الشرع، وليس سيدا وصيّا على المجتمع أو على الأمة، وكانت صلاحياته منضبطة بمدى ارتباطه بعقد البيعة الشرعي.

وعلى هذا الأساس يفهم قول الخليفة أبو بكر الصديق: (أيها الناس! إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أطعت فأعينوني، وإن عصيت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) .

وكذلك تنص القاعدة الإسلامية المعروفة على أنه؛"لا طاعة لمخلوق في معصية الله"، مما يلفت النظر إلى أن موضوع الحاكم الفرد المستبد لا مكان له في المجتمع الإسلامي من حيث نظام الحكم في الإسلام.

اللهم إلا إذا حصل انحراف عن منهج الله، وعندها ينبغي تقويم الخلل بمعالجته وتصويبه، كما هو شأن أي نظام يقع فيه مثل ذلك، ومن هنا جاءت الأحكام الشرعية التي تتناول معالجة كفر الحاكم أو خروجه عن الشريعة، ومتى يخلع من منصبه أو ينخلع، ومتى يعزل من منصبه، أو يخرج عليه لعدم استمرار شروط صحة ولايته.

ولذلك ينبغي اتخاذ الآليات المناسبة وتبني الأساليب والوسائل السليمة التي تحفظ العدل في الأمة، وتمنع الجور من الاستمرار، وتضمن استقرار الإسلام كسيد في المجتمع، وهذا مما يلزم الإبداع فيه، لأن انحراف الحاكم قد يجرف الأمة إلى الهاوية، إن استهانت بحقوقها واستهترت بواجباتها، ولم تتدارك التقصير من جانب الحاكم في رعاية شؤونها بحسب الإسلام، وعليه كان لا بد من الاستفادة من كل المعطيات الحديثة من وسائل وأساليب وتقنيات تضمن الأداء الحسن للحاكم والمحكوم، فيما ينطبق عليه قاعدة؛"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

ولا يعني هذا إلغاء النظام الإسلامي واستبداله بنظام آخر، بحجة الاستفادة مما توصلت إليه البشرية، فنظام الحكم في الإسلام عبارة عن أحكام شرعية ينبغي الانضباط بها وتجسيدها كما جاءت، والمطلوب هو اتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى ذلك لا إلى نقيضه.

كما أنه ينبغي إدراك؛ أن أي نظام سياسي في الدنيا معرضٌ - طالما أن منفذيه هم من البشر - للتعرض لهزات أو لخللٍ ما، سواء لهشاشة محتواه أو لسوء تنفيذه أو لكليهما، بما في ذلك النظام الديمقراطي نفسه - وما أكثر وقوع ذلك فيه - وتكون معالجة ذلك برد الأمور لنصابها والاستفادة من الثغرات التي تقع لإيجاد ما يقلل من تعرض النظام السياسي لمثلها.

وبذلك يتضح أن نظام الحكم في الإسلام؛ هو تلاحم بين الحاكم والمحكوم، لضمان إحسان تطبيق شرع الله ومنهجه، وكون أن الإسلام أجاز انتخاب الحاكم من قبل الأمة مباشرة أو من يمثلها من أهل الحل والعقد، كما هو حاصلٌ في النظام الديمقراطي الرأسمالي أو النظام الاشتراكي الشيوعي، أو حتى في نظام دولة الفاتيكان، حيث يجتمع الكرادلة من أنحاء مختلف العالم لاختيار البابا، فإن ذلك لا يلغي كل تلك الفوارق الشاسعة بين تلك المبادئ والإسلام، ولا يعقل دمجهم سوية بحال لتشابههم في جزئية، فيصبح أحدهما جوهر الآخر رغماً عن أنفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت