فهرس الكتاب

الصفحة 21922 من 27364

وفي الصحيحين: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) . أي لا تكاد تجد فيهم من يتحمل أعباء السفر وتكاليف وتبعات طريق هذا الدين إلا واحد من كل مائة؛ وهذا دليل على شدة الغربة التي تكابد الطليعة من أهل التوحيد التي تألوا على نفسها أن تسير على طريق هذا الدين مهما تعاظمت التضحيات، وكانت التكاليف...

وقا صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح -: (يقول الله تعالى: يا آدم أخرج بعث النار قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لعمرو بن ميمون: (جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماع، والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك) .

وقال نعيم بن حماد: (إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة فبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذٍ) .

وقال حسن البصري: (فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لَقوا ربهم، فكونوا كذلك) .

قال ابن القيم رحمه الله: (اعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض) [29] .

وغيرها كثير من النصوص والآثار التي تدل على أن الأكثرية الغالبة هم على الكفر والشرك، والضلال والفسوق، وأن أهل الحق؛ (ناس صالحون قليل في ناسٍ سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) ، وأن المعيار الصحيح لمعرفة الحق هو كل ما يطابق أو يوافق الحق المطلق المسطور في الكتاب والسنة، مهما قل أتباعه وأنصاره، وما سواه فهو الباطل والضلال ولو اجتمع عليه أكثر أهل الأرض.

ورغم كل ما تقدم نجد المخالفين من الإسلاميين البرلمانيين، يراهنون على أن الأكثرية ستكون إلى صفهم، وسوف يختارونهم دون سواهم، لأن أكثرية الجماهير على الحق، ويحبون الحق وأهله!

وقد تقدمت الإشارة إلى أن الحاكمين في النظم الديمقراطية لا يمثلون أكثرية الشعب؛ لتشتت أصوات الناخبين بين الاتجاهات والأحزاب المتعددة، ولتدخل عناصر النفوذ والتأثير في توجيه وتحديد اختيارات الناس لصالح فئة معينة من الناس تخدم فئة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال ومصالح المتنفذين في المجتمع.

فالأكثرية، واختيار الأكثرية، وحرية الأكثرية... كذبة كبيرة اصطنعتها الأنظمة الديمقراطية، ليسهل ترويجها على الشعوب التائهة المضللة!

وهذا أمر بالنسبة لنا لا يهمنا كثيراً ولا قليلاً، لأن المعتبر الوحيد عندنا في الحكم على الأشياء بالصحة أو البطلان هو حكم الله تعالى، وما سواه إن ذكرناه فإنما نذكره على سبيل الاستئناس، ولبيان تناقضات القوم مع شعاراتهم الظاهرة، وبيان كذبهم على شعوبهم.

وفي تفسير قوله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] .

يقول سيد رحمه الله:(إن الإسلام يضع الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، يضع الكتاب قاعدة للحياة البشرية، ثم تمضي الحياة فإما اتفقت مع هذه القاعدة وظلت قائمة عليها، فهذا هو الحق. وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى فهذا هو الباطل... هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعاً في فترة من فترات التاريخ، فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل، وليس الذي يقرره الناس هو الحق، وليس الذي يقرره الناس هو الدين...

إنَّ نظرة الإسلام تقوم ابتداءً على أساس أن فعل الناس لشيء، وقولهم لشيء، وإقامة حياتهم على شيء، لا تحيل هذا الشيء حقاً إذا كان مخالفاً للكتاب، ولا تجعله أصلاً من أصول الدين، ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين، ولا تبرره لأن أجيالاً متعاقبة قامت عليه) [30] .

تاسعاً:

في الديمقراطية كل شيء - مهما سمت قداسته بما في ذلك دين الله - حتى ينال القبول عند القوم يجب أن يخضع للاختيار والتصويت، ورفع الأيدي وخفضها، والاختيار يقع دائماً - كما تقدم - على ما تجتمع عليه الأكثرية، وإن كان المختار باطلاً!

وهذا مبدأ - بصورته هذه - باطل شرعاً، الرضى به يفضي إلى الكفر والارتداد عن الدين، وذلك من أوجه:

منها، أن شرع الله تعالى - الحلال والحرام، الحق والباطل - لا يجوز أن يخضع إلى عملية الاختيار والتصويت، والرد والقبول إلا في حالة واحدة وهي أن يؤاثر القوم الكفر والخروج كلياً من دائرة الإسلام لله رب العالمين.

قال تعالى: {والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] ، وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت