4 -التيار التقليدي قادر على الإضرار بنا مادياً ومعنوياً. لكن يجب أن تكون هذه القدرة حافزاً لنا للقيام بأي شيء لمواجهة هذه الظلامية القاهرة. والواجب أن تكون علاقتنا بقوة التيار التقليدي غير تقليدية. أي كلّما أحسسنا بتنامي قدرته على الإضرار بنا، فلا بد أن نكون أشد صراحة وجذرية في مواجهته، وليس أن نخضع لهيمنته ونفوذه.
6-التحامل على المخالفين له، وتشويه حقيقة موقفهم، وافتعال أسباب غير حقيقية للخلاف.
7-استبعاد البعد العقدي الديني لخصومهم الفكريين وقصر الأسباب على السبب المادي (التفسير المادي للتاريخ) ، ويتضح ذلك في النصوص التالية:
1 -هناك من يستفيد مادياً من ضمور الفاعلية التنويرية وتضخم النفوذ التقليدي. أي أن موقعه في بنية المجتمع، وامتدادات المصالح الخاصة، تجبره على الوقوف في الصف التقليدي.
2 -هناك - أيضاً - من يستفيد معنوياً من هيمنة الوعي التقليدي الرجعي. القيمة المعنوية لسدنة الرجعية مرتبطة ببقائها. نحن نعرف أن هناك مؤسسات قائمة على ترويج هذا الخطاب، بل وأقسام (علمية!) جامعية، تمنح الشهادات العليا، بدرجة الولاء لهذا الخطاب التقليدي، وهؤلاء سيكونون في المهمش الاجتماعي في حال تنامي المد التنويري، وستصل قيمتهم الاعتبارية إلى درجة الصفر، بل ربما كانت المراجعة المعرفية التنويرية كفيلة بمحاكمتهم - معرفياً - على جنايتهم في حق الأمة.
8-اجترار مقولات ثبت بطلانها:
من المزاعم التي كان يلوكها دعاة التغريب من العلمانيين والشيوعيين في أواسط القرن الماضي، دعوى التشابه بين وضع علماء الشريعة ورجال الدين في أوروبا، وأن علماء الدين الإسلامي يتماثلون في مسؤولياتهم وأعمالهم مع رجال الكهنوت الأوروبي، وهذه مزاعم فجة وغير علمية، ومع ذلك يأبى داعية التنوير الكبير إلا أن يلوكها في ترداد ساذج لمقولة مزورة للحقيقة، فيقول:
"لقد أدرك رواد التنوير العربي منذ أيام الطهطاوي وإلى هذه الساعة، أن التشابه كبير جداً - على الرغم من الفروقات الثانوية - بين الحالة الأوروبية في القرون الوسطى وحالة المسلمين اليوم. أدرك رواد التنوير العربي أن المسلمين لم يخرجوا - بعد - من قرونهم الوسطى التي تمتد لما يناهز عشرة القرون، وأن عصور الظلام الإسلامية لم تكن أحسن حالاً - بمعيار الوعي الكلي - من عصور أوروبا المظلمة ذات النفس الكنسي".
9-الاعتراف بأن للتنوير أهدافاً غير التقدم المادي، وهو الهدف التغريبي.
على الرغم من إلحاح التنويريين -كما يسمون أنفسهم- بأن التنوير يستهدف النهوض بالأمة، والانبعاث الحضاري، وتحقيق التقدم المادي، فإن داعية التنوير يعترف بأن بلادنا استطاعت أن تحقق إنجازاً تنموياً مادياً لايُستهان به، ولذلك لم تكن هناك حاجة للتنوير في بعده الثقافي في الرأي العام المحلي، ومع ذلك يصر على الحاجة إليه؟! مما يؤكد أن هدفهم من التنوير ليس التقدم المادي الذي يمكن حدوثه بمعزل عن هذا الفكر، بل يريدون نقل الفكر التنويري الغربي المعادي للثقافة المهيمنة على المجتمع وهي الثقافة الإسلامية، يقول الكاتب:
"لهذا لم يكن المجال للتنوير - في بعده الثقافي - مفتوحاً، بالقدر الذي يكفي لصناعة وعي حديث، يستطيع أن يعمل بالتوازي مع الحركة التنموية في بعدها المادي، وشبه المادي، وساعد على الزهد في التنوير ما أتت به الطفرة المادية من قدرة كبيرة على تحقيق منجزات تنموية لا يُستهان بها. وهذا المنجز المادي أوهم الوعي العام أن لا حاجة إلى التنوير، وأن الانبعاث الحضاري يتحقق، على الرغم من التمسك بالوعي التقليدي".
وحسب هذا الوهم فلا مسوّغ للمغامرة بتبني المشروع التنويري في أبعاده الثقافية.