إن العالم الإنساني كلمة غير مفهومة عند من يدين برب غير رب العالمين، وإن قيم الأخلاق كيل جزاف حين تنقطع الأسباب بين الحسنات والسيئات، وبين الثواب والعقاب، وإن الإنسانية الجامعة شيء لا وجود له قبل أن يوجد الإنسان (المسؤول) .
إذاً فالتقوى تتمثل فيها كل المعاني السامية - من مساواة، وعدل، وحرية، وأخلاق، وفضيلة - ولو شاء فلاسفة الأخلاق لعلموا ما هي التقوى، وعلموا حقّاً أن موازينهم جميعاً لا تحسن الترجيح بين فضل وفضل، وقدرة وقدرة؛ كما تحسنه هذه التقوى (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) )، إنه لهو القسطاس الذي ينشئ للإنسانية حقوق المساواة بين أبنائها ديناً وعلماً، وفلسفة وشريعة، وإلهاماً من الوحي الإلهي، وتمحيصاً من البديهة الإنسانية.
ومكان الوحي الإلهي في هذه المساواة أنها قد شرعت للإنسان شريعتها حقاً من حقوق الخلق والتكوين، ولم تشرعها له وسيلة من وسائل الحكم، وإجراءاً من إجراءات السياسة إبّان الحظر المطبق خيفة من ثورة النفوس، وتنافساً على عدد الأصوات في معارك الانتخابات.
فإن أحداً ممن خوّلهم القرآن تلك المساواة لم يطلبها، ولم يكن لينالها قبل أن تنزل عليه من وحي رب العالمين، ولكنها لم تنشأ في حضارة من حضارات العالم القديم أو الحديث إلا وكانت وراءها حيلة، أو وسيلة سياسية، أو مراوغة تمكين وتسكين.
ولولا الله ثم الحروب القديمة - كحرب أثينا، وأسبارطة، وحروب روما، وفارس، وحروب الأمم في القرن العشرين - لما سمع الناس بشيء يسمى الديموقراطية، ولا رضخ الديموقراطيون المتأخرون بشيء للكادحين - ذوي المعاول والمناجل -، أو لذوي الألوان المجندين للمصانع والمعسكرات، ولما سمع العالم بمساواة بين بني آدم لا فضل فيها لأحد منهم على أحد بغير العمل الصالح وتقوى الله.
إذاً فلنسأل أنفسنا: هل الديموقراطية - التي يريدها الغرب، وتريد الأمم المتحدة أن توحد بها الشعوب والأمم، والقبائل لكي يتعرفوا ويتحاببوا - هل هي من التقوى؟!
الإجابة طبعاً بالنفي، إن ديموقراطية العصر الراهن هي ديموقراطية المصالح والمنفعة، ديموقراطية الاحتلال والقتل والتدمير؛ سيان عندهم إذا كانت تحمل معاني إيجابية سامية، أو سلبية قهرية؛ لأن منظور المساواة في الديموقراطية يتناقض عنه في التقوى؛ فالمساواة في التقوى هي العدل الذي ينشئ حقوقاً متساوية للإنسانية بين أبناء البشر إلهاماً من الوحي الإلهي، أما المساواة في مبدأ الديموقراطية ففيها ازدواجية المعايير، والكيل بعدة مكاييل؛ وذلك بغرض الهيمنة والتسلط على الشعوب والأمم؛ وليست فيها حقوق متساوية بين البشر؛ والأمثلة واضحة في الوقت الراهن؛ وذلك من حروب واعتداءات على الدول والأفراد؛ فهي تنصبّ فقط في مصلحة أعداء الإنسانية.
نرى أن بعض المبادئ والمذاهب والأيدلوجيات التي استخدمت في القرن الفائت انتهت بنهاية القرن - منها الشيوعية، والفاشية، والنازية، والجمهورية - والقرن الحالي سوف يقضي - بإذن الله - على باقي المبادئ والمذاهب والأفكار الهدامة؛ والتي على رأسها الديموقراطية؛ والتي يتبناها المبدأ الرأسمالي الغربي؛ لأنها مبادئ وأفكار من صنع البشر؛ ويريدونها أن تكون بديلاً للعقائد الإلهية!!، نرى أن شياطين الإنس الذين يتحدون مع شياطين الجن يعملون لذلك، وأيضاً لنشر الفساد والرذيلة، وعبادة الأوثان والمخلوقات من البشر وغير البشر، وعبادة الشيطان.
وليس جديداً أن نسمع بأشياء لا يقبلها العقل والمنطق موجودة في أفكارهم ومبادئهم ونظرياتهم؛ ومنها أن الإنسان عنصر واحد، عنصر سيد، وعنصر مسود، وأن أبناء الإنسانية جميعاً عبيد للعنصر السيد، والعنصر السيد عبد للسيد المختار!!.
وسمعنا وقرأنا أن الإنسان يولد بذنب غيره، ويموت بذنب غيره، ويبرأ من الذنب بكفارة غيره.
وسمعت البشرية من القرآن الكريم غير ذلك؛ فأهل القرآن متدبرون؛ يستمعون إلى العقل كما يستمعون إلى الإيمان؛ إذا اطمأنوا وثبتوا على اطمئنانهم إليه.
الإنسان في عقيدة القرآن هو المخلوق المسؤول بين جميع ما خلق الله؛ يدين بعقله فيما يرى ويسمع، ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب فلا تدركه الأبصار والأسماع، فالإنسانية من أسلافها إلى أعقابها أسره واحدة؛ لها نسب واحد، وإله واحد، أفضلها من عمل حسناً، واتقى سيئاً، وصدق النية فيما أحسنه واتقاه.
فالمنصف بين النصاح لا يستطيع أن ينصح لأهل القرآن بعقيدة في الإنسان والإنسانية أصح وأصلح من عقيدتهم التي يستوحونها من كتابهم، وإن أهل القرآن يتدبرون القول فيتبعون أحسنه؛ فلم يأخذوا بعقيدة من العقائد التي يروّج دعاتها باسم المادية أو الفاشية أو العقلية، ويريدون بها أن تكون على الزمن بديلاً من العقائد الأرضية.
إذاً فالديموقراطية مبدأ شيطاني زاهر، يحمل معاني رنانة تأخذ بألباب وعقول البشر، وداخله معاني تؤدي إلى الكفر والإلحاد، والفجور والتهلكة.
http://www.meshkat.net:المصدر