فهرس الكتاب
إنّ الغرب المستميت في سبيل الدفاع عن حرية التعبير والاعتقاد ، لايكاد يحتمل أن يقول عاقل مايراه ويعتقده ويتوصّل إليه في ضوء دراساته وأبحاثه وقراءة الواقع المتمثل في سياقات التاريخ والملابسات المكتنفة له ، إذا كان يمسّ ذلك المصلحةَ الصهيونيةَ الصليبيةَ . فكأنّ حريّة التعبير والفكر منحصرة فيما وراء هذه المصلحة، ولاسيّما فيما يتعلّق بالإسلام والمسلمين والقيم الإنسانية النبيلة التي يمثِّلها الإسلام .
إنّ قراءة سلوكيّات الغرب بمجموعها من خلال التعامل الذي ظلّ يمارسه مع الإسلام والمسلمين يؤكّد بوضوح أنّه يعتبر الإسلام عدوًّا رقم واحد ، وأنّه لايخاف إلاّ هذا المارد الذي لايخضع لأيّ مُعْتَقَد ودين خرافي ولأيّ"مبدأ"يفسد على الإنسان إنسانيته . وكمثال على ذلك من بين الأمثلة الكثيرة التي تفوق الحصرَ، نذكر في هذا السياق ما نشرته الصحف العالمية ووسائل الإعلام مؤخرًا ، من أن إحدى الدول الغربية وهي"هولندا"رصدت شروطاً لمن يهاجر إليها ، من بينها مشاهدة فيلم إباحيّ في إطار امتحان جديد للمهاجرين من دول ليست بينها أمريكا وبلدان الاتحاد الأوربيّ؛ حيث أصبح لزامًا على أيّ شخص يرغب في الهجرة إلى"هولندا"الخضوعُ لامتحان يثبت قدرتَه على التَّأَقْلُم مع القيم الليبراليّة في هذا البلد . ويتضمّن الامتحانُ مشاهدةَ لقطات إباحيّة من فيلم فاحش دون إعراب عن شعور بالاشمئزاز والصدمة . وأضاف النبأ أن الامتحان يهدف إلى اختبار أهلية التأقلم مع القيم الهولندية خصيصًا لدى المسلمين الراغبين في الهجرة إلى هولندا . وذلك للحدّ من وصول مزيد من المهاجرين المسلمين .
فذلك كله فيما يتعلق بحرية الفكر والرأي. فإذا رحتَ تختبر مدى مصداقية الديموقراطية التي يتباهى بها الغربُ وقائدتُه أمريكا وجدتَ أنّها ليست إلاّ وسيلةً لنشر"القيم"التي أنتجها الغربُ لإفساد إنسانية الإنسان ، وانتزاعه من طور الإنسانية إلى طور البهيمية . وعلى رأسها"القيمتان": الماديّة الجامحة والشهوة الجنسية المسرفة المتخطية كلَّ حدّ ؛ فالدعوةُ إلى إشباع الحاجتين و"احترام"القيمتين هما المطلب الأمثل لدى الغرب . ونشر ثقافته الداعية لذلك ، وحضارته المتمثّلة فيه ، وأسلوب حياته المُتَبَلْوِر في المفاسد التي جَنَتْ على الإنسانية ، هو المجموع الذي يسميه الغرب"الديموقراطيةَ"و"العدل"و"المساواة"و"الحرية التعبيريّة".
ألا ترى أن قتل الزاني والزانية لدى الغرب تصوّرٌ غيرُ إنساني ، وأن تنفيذَ حدّ السرقة وحشيّةٌ ، وأن الاختلاط ، بين الذكور والإناث، وممارسة الجنس خارج إطار الزواج الشرعيّ عملٌ بالحريّة التي ينالها الإنسانُ ولادةً، وأن مغازلة الفتيات مع الفتيان بشكل سافر علني حقٌّ من الحقوق التي لابدّ من ممارستها لكل فتى وفتاة ، وأن ممارسة الجنس ودواعيه في الشوارع والحدائق والأمكنة العامّة حقٌ من الحقوق التي يتمتع بها كلُّ إنسان يولد من أب وأمّ ويُطْلَق عليه كلمة الإنسان . ومن هنا فهذه"القيم"كلُّها من دعائم الديموقراطية الغربيّة وأساسيّاتها . ولذلك عندما احتلّت أمريكا أفغانستان والعراق نشرت هذه"القيم"وغيرها من"المبادئ"التي تعمل على ترسيخها في أرض أفغانستان وأرض العراق قبل أن توفّر فيهما ما يبقي على حياة أهلهما من الغذاء والدواء وما يستر عوراتهم من الكساء . فأغرقت أمريكا البلدين بالأفلام الإباحيّة ، حتى تمتص من أبنائهما الدينَ الإسلامي وقيمه التي تبعثهم على"العنف"و"التطرف"و"الإرهاب"وتغرس فيهم قيم الغرب الماديّة الإباحية التي تبعث على"الاعتدال"و"الانفتاح"و"التأقلم"مع كل فكر فاسد وافد متعارض مع الدين الإسلامي وقيمه. وسمحت أمريكا بتدافع الصهاينة والمبشرين المسيحيين إلى أفغانستان والعراق ليقوموا بنشاطاتهم المُخَطَّطَة لنزع المسلمين من حضن الإسلام إلى اليهودية والمسيحية تحت ستار المساعدات والإغاثات والإعانات ؛ فانتشرت الكنائس ولاسيّما في العراق ، وتحركت الصهيونية بشكل رهيب لم يعرفه عهد من العهود السابقة .
ولاعجب إذا كان"بوش"و"توني بلير"كلاهما قد تَبَاهَيا أكثر من مرة أنهما يُمَثِّلان حضارةً متقدمةً ويحاولان زرعَها في كل من أفغانستان والعراق ، والمناطق المجاورة التي لاتعرف لحد الآن مثلَها في النبالة والتنّور والتحضّر، وأنّ أهلهما المسلمين متخلفون بدائيون يُمَثِّلُونَ حثالةً إنسانيةً ، فهم يكرهون حضارتَنا ويُعَادُونَ ثقافتَنا ، ولابدّ من تلقينهم درسَ التحضّر والتنوّر ! .