فهرس الكتاب

الصفحة 22038 من 27364

والشاهد من ذلك أنَّ هؤلاء القوم قد أعادوا سيرة سلفهم حين نظروا لقوتهم وجبروتهم وخيراتهم وحضاراتهم ، فافتخروا بها ، وظنَّوا أنهم بذلك أولياء الله وأحباءه ، ففي الزمن السابق قال أحدهم حين رأى أملاكه وخيراته بكل كبر وعجرفة: (ما أظنٌّ أن تبيد هذه أبداً*وما أظنُّ الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً) .

لكنَّ الحق سبحانه لن يحيي إلا الحق وسيجعل الباطل غثاء زبداً زائلاً ، فلم يبق لهذا المفتخر بماله وملكه إلا حطام مامَلَكْ ، (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحداً*ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً)

2ـ اعتزاز أمريكا بأنَّها الدولة القوية والتي لن تقف أمامها أي قوة ، وفي أدبياتها أنَّ أيَّ تفكير لدولة ما تريد أنْ تتقوى أو تقف مناوئة لها ، فإنَّها ستجلب على نفسها الدمار قبل بداية الحرب بواسطة الحروب الاستباقية الوقائية . وهذا بالضبط حال فرعون ومنطقه حين خاف أن يأتي من بني إسرائيل ابن يقتله ويقضي على ملكه ، فما كان منه إلأَّ أن استحل دماء الناس وفرضها حرباً وقائية له تنجيه من ذلك القتل،وحين نمعن النظر في كلام قادة هذه الدولة المارقة ، أو بحالها العملي مع الدول المخالفة لها فسنجد ذلك واضحاً جداً ، فهاهي مادلين أولبرايت تقول في إحدى المقابلات معها في جامعة أمريكية: (في هذا الكون قوة عظمى واحدة ؛الولايات المتحدة!!) " [3] "

وهذا ستيفن إيه دوجلاس يذكِّر مجلس الشيوخ الأمريكي عام (1858) م بحقيقة المنطق الطاغوتي القائل: (من أشدُّ منَّا قوة) حيث يقول: ( إنَّ أمريكا أمَّة شابة نامية ، تعج مثل خلية النحل،وكما أنَّ النحل في حاجة إلى الخلايا ليتجمع وينتج العسل ، أقول لكم:إنَّ التكاثر والتضاعف والتوسع هو قانون وجود هذه الأمة) " [4] "

ومِمَّا يصدِّق كلام (دوجلاس) السابق ذكره ويدلِّلُ على حب هؤلاء الغزاة للتوسع والسيطرة على بلاد الله ، ما قاله السيناتور هارت بنتون في القدم ، في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ عام1846م: (( إنَّ قدر أمريكا الأبدي هو الغزو والتوسع ، إنَّها مثل عصا هارون [يقصد موسى] التي صارت أفعى ، ثمَّ ابتلعت كلَّ الحبال . فهكذا ستغزو أمريكا الأراضي ، وتضمُّها إليها ، أرضاً بعد أرض. ذلك هو قدرها المتجلي . أعطها الوقت ، وستجدها تبتلع ، كلَّ بضع سنوات مفازات بوسع معظم ممالك أوروبا . ذلك هو معدَّل توسعها ) )" [5] "

ويقول المؤرخ (ريتشارد إيميرمان) : (القوَّة والأمن الأمريكيين يعتمدان بشكل أساسي على الحصول على المواد الأولية من العالم ، وبالتدخل في أسواقه الداخلية ، وبالأخص في دول العالم الثالث التي يجب أن تبقيها الولايات المتحدة تحت السيطرة الشديدة) " [6] "

وهاهو نيكسون يقول: (على أعداء الولايات المتحدة الأمريكية أن يدركوا أننا نتحول حمقى إذا ضربت مصالحنا...بحيث يصعب التنبؤ بما قد نقوم به مما لدينا من قوة تدميرية غير تقليدية ، وعندها سوف ينحنون خوفاً منَّا) ويقول وزير الخارجية كولن باول بعد ضربة سبتمبر: (نحن الآن القوة الأعظم ، نحن الآن اللاعب الرئيس على المسرح الدولي ، وكل ما يجب علينا أن نفكر به الآن هو مسؤوليتنا عن العالم بأسره، ومصالحنا التي تشمل العالم كلَّه) " [7] "

بل سبقه بذلك بوش الأب حينما ألقى خطاباً عقب انتصار الحلفاء على العراق في حرب الخليج الثانية في إحدى القواعد العسكرية 13/4/1991م حيث يقول: (إنَّ النظام العالمي الجديد لا يعني تنازلاً عن سيادتنا الوطنية ، أو تخلياً عن مصالحنا ، إنَّه ينُّبؤ عن مسئولية أملتها علينا نجاحاتنا) ثمَّ صرَّح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 23/9/1991م (بأنَّ أمريكا ستقود العالم) " [8] "

وبعد هذه الكلمات فهل يشكُّ أحد في مشابهة منطق الأمريكان بمنطق الطغاة الغابرين (ذرية بعضها من بعض) ، فإنَّهم اعتقدوا مقتنعين أنَّهم رب الكون ومسَيِّري أحداثه ـ تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً ـ ولهذا من يقرأ كلام نيكسون حين قال: (نحن نقبض على ناصية المستقبل بأيدينا) " [9] "يوقن يقيناً بأنَّ هذا (يتوائم مع اعتقاد الأمريكيين بأنَّ قيادتهم للعالم هي قدرهم المحتوم، الذي اختاره لهم الرب ، وباركته من أجلهم الملائكة) " [10] "

3ـ الكبر والتعالي على الرب وعلى العباد بمنطق من قال: (أناربكم الأعلى) ومن قال: (ما علمت لكم من إله غيري) ومن قال (ما أريكم إلَّا ما أرى وما أهديكم إلَّا سبيل الرشاد) ، يقول أحد كبراءهم وهو متحدث باسم البيت الأبيض في حرب الخليج: (جئنا نصحح خطأ الرب الذي جعل البترول في أرض العرب) ، وهذا بوش يخاطب الرئيس الباكستاني برويز مشرَّف بمنطق القوة والتهديد ليركع له وينحني: (أمامك خياران إمَّا أن تدخل في حلف أمريكا ضد الإرهاب،وإمَّا أن نعيد باكستان للعصر الحجري) وحقاً إنَّها سياسة من لا يفتح مجال الحوار والأخذ والرد ، وهي القاسم المشترك الذي جمع طواغيت الأرض على كرسي التجبُّر ، وسيف القهر، والكبرياء البغيضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت