على مستوى القيادة يحدثنا القرآن كيف أن ساعة السقوط تحين يوم يتسنم المسؤولية حفنة من المترفين الفسقة، أو الإداريين الظلمة، أو المجرمين الطغاة، فيمارسون من مواقع السلطة تلك كل أسلوب من شأنه أن يؤول إلى إلحاق التفكّك والدمار بالجماعة أو الأمة التي ارتضتهم قادة لها: الترف، الفسوق، الطغيان، الفوضى، الاستغلال، المكر، رفض الدعوات الجديدة، واستخدام أقصى درجات القسوة والطيش لصدّ قومهم عن الانتماء إليها، واعتبار مبادئهم ورؤاهم وتشريعاتهم الذاتية القاصرة، المفككة، الحدود النهائية لموقف الإنسان في العالم، وهو اعتبار يقوم على أقصى درجات الطغيان، وأشد المواقف بعداً عن مفهوم التوحيد العادل، السمح، الإنساني: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (10) .
وأبدع ما في التعبير القرآني أنه يصور هؤلاء الطواغيت، وهم في قمة الجاه والثروة والسلطان، أدوات بيد الله يسخرهم، من حيث لا يدرون، لإنزال عقابه العادل بطرفي الجريمة: السلطة التي تظلم والقاعدة التي ترضى بالظلم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (11) (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (12) (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (13) (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (14) (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (15) .
في الجهة الأخرى، ومن أجل أن تظل مقاييس السلطة والقيادة موضوعية ثابتة بينة في أذهان الجماهير المؤمنة، يطرح القرآن البديل في أكثر من آية، وعلى أعرض جبهة يمكن أن يتحرك عليها المسؤولون عن قيادة الأمم والشعوب، جبهة التلقي عن الله وحده والتزام قيم الحق والعدل، ومواصلة العطاء على هذا الطريق: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (16)
(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (17) (تِلْكَ الدَّارُ الأخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا) (18) .
وكم تمنّيت وأنا أتابع أطروحات القرآن الحاسمة بصدد العلاقة بين الجمهور والسلطة، وهي أطروحات ممتدة متشابكة مفروشة على مساحات واسعة كما سنتابع في فصول هذا الكتاب، تمنّيت أن يرجع بي الزمن القهقرى إلى أيام الدراسة الجامعية، أو أن التقي بالأستاذ الذي كان يتشنج متعمداً على جانب ضيّق محدود من الصورة لا يفسر شيئاً .. أن أرجع إليه لكي أقول له هذا، أو أقنعه على الأقل بقراءة كتاب الله، بالتجرد العلمي المطلوب،
مرة واحدة فقط!!
(1) الأحزاب 67ـ68 .
(2) البقرة 166ـ167 .
(3) إبراهيم 21ـ22 .
(4) النساء 97ـ98 .
(5) إبراهيم 45 .
(6) الأعراف 3 .
(7) العنكبوت 56 .
(8) التوبة 14 .
(9) الأنفال 24ـ25 .
(10) غافر 29 .
(11) الأنعام 123 .
(12) الأنعام 129 .
(13) الإسراء 16ـ17 .
(14) الأحزاب 67ـ68 .
(15) سبأ 34ـ35 .
(16) الأنبياء 73 .
(17) الأعراف 181 .
(18) القصص 83 .