فهرس الكتاب

الصفحة 22130 من 27364

هل نستطيع أن نصحح واقعنا ونصلح مجتمعنا بتأسيس قيمي محلي وبفعل ثقافي إسلامي؟ وعندما تقعد بنا حالة الجمود التي تشتملنا وضعف الإبداع الذي يشلّ عقولنا, هل نستفيد من إبداعات الآخرين وطرائقهم بمنهج راشد دون استنساخ، أي بأسلمة النموذج حسب مصطلحات البعض.

إن سُلَّم القيم- بضم السين وفتح اللام المشددة - المعروف لدى علماء الاجتماع يبين حال المجتمع من خلال أفراده عندما تبدأ بعض السلوكيات كظواهر معزولة ثم تنتقل إلى اتجاهات مشهودة ثم تتحول إلى قيم حاكمة، وعند هذه المرحلة يتطبع المجتمع بطبيعة تلك القيم الحاكمة لسلوكه، ولهذا فان المصلحين الواعين لهذه الحقائق يسعون دائماً إلى منع الظواهر والاتجاهات السلبية التي تنشأ في المجتمع من مواصلة تسلّق السلم قبل أن تصبح قيماً، فيسعون إلى ترشيدها وتهذيبها قبل وصولها رأس هرم القيم؛ فيصعب الاقتلاع والتغيير ويحصل التحوّل والتبديل؛ ولذا يصح أن نعدّ صراع التحوّلات في المجتمع أنه صراع قيم, أي إحلال قيم محل أخرى, وهذا الصراع ليس دائماً سلبياً لأنه ليس كل قيمة في المجتمع هي قيمة إيجابية، فالاستبداد في ميادينه المختلفة والفساد المالي والإداري، وبعض قيم القبيلة والعشيرة التي تحكم كثيراً تصرفات الحاكم والمحكوم وبعض القيم الاجتماعية هي قيم حاكمة سلبية، والإصلاح يكون في تغييرها أو تهذيبها كما هي طريقة الإسلام عندما نزل على العرب فغيَّر فيهم قيماً وهذّب أخرى، وهذه مسؤولية المصلحين والمجدّدين من الدعاة والعلماء والمثقفين الراشدين، أما صراع القيم بين دعاة الإسلام ودعاة الليبرالية (العلمانية) فهو في الغالب صراعٌ بين قيم دينية وقيم لا دينية، وفي أحسن الأحوال في المجتمعات المتدينة مثل مجتمعنا هو صراع يبدأ حول الذرائع والمقدمات؛ ولذلك تكثر الدعوة إلى إلغاء باب سد الذرائع، وتتوسع الدعوة إلى باب فتح الذرائع، وهما أصلان محكمان في الشريعة، لكن هاتين الدعوتين في هذين الاتجاهين في هذه المرحلة الاستثنائية تدلان على جهة مؤشر التحوّلات عند أصحابها، والمقصود أن نحذر من إحلال قيم غربية في مجتمعنا على حين غرة أو غفلة أو حسن ظن بمن يسعى إلى ذلك، وليكن لدينا من الفقه بأحوال الواقع ما يجعلنا نميّز بين ما يمكن قبوله وما يجب رفضه، وما يكون مزيجاً من الأمرين فيحتاج إلى ترشيد، والانتخابات هي من النوع الثالث، وقد ذكرت ذلك بأكثر من هذا في ورقة سابقة، ومسؤولية علماء الشريعة ودعاتها وأهل الفكر والنظر في الأمة من المهتمين بالشأن العام يكون في طرح رؤية رشيدة للانتخابات منطلقة من النظر الشرعي أدلة ومقاصد، ومن المواءمة الواقعية، مرونة وملائمة, خاصة إذا كانت البلاد سائرة إلى توسيع هذه الدائرة في ميادين أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت